المنهج الأسطورى فى تفسير الشعر الجاهلى أصوله وتطبيقاته دراسة نقدية

دكتور

عبد الفتاح محمد العقيلى

المنهج الأسطورى
فى تفسير الشعر الجاهلى
أصوله وتطبيقاته
دراسة نقدية
ميرانا
للتأليف والترجمة والبحث العلمى
1412هـ – 1992م

مقدمة

——

صاحبت نهايات القرن التاسع عشر ظهور نظريات جديدة فى العلوم الطبيعية ، وفلسفات جديدة فى ماهية الوجود والإنسان ، تمارس تأثيرها فى المناخ الفكرى والعقلى لعصرنا الحديث ، وتجمعها سمة عامة هى سمة
” التطورية ” فى نظرتها للعالم والإنسان .

فقد جاءت نظرية ” دارون ” فى أصل الإنسان لتكشف أبعاد تطور التركيب البيولوجى للإنسان ، وليكون منهجها التطورى أساساً لمحاولة تحطيم الحدود الفاصلة بين أشكال الحياة العضوية وأشكال الحياة الثقافية والحضارية .

وجاءت فلسفة ” ماركس ” المادية الجدلية ، تفسيراً اقتصادياً واجتماعياً تطورياً للتاريخ على أساس قيمة العمل وأساليب الإنتاج ، لتحاول أن تصل بالإنسان فى ظل الاشتراكية إلى مجتمع ” لا طبقى ” .

وظهرت نظريات التحليل النفسى ومدارسه بدءاً ” بفرويد ”
و” جونز ” و”يونج ” تجتهد فى أن تميط اللثام عن أعماق النفس بحثاً فى الشعور واللا شعور والأحلام والعلل النفسية ، لتكشف أبعاد التركيب النفسى للإنسان .

وكانت النظريات ” الأنثروبولوجية ” التى يمثلها ” تايلر ” و” فريزر ” تتبعاً لبدايات الجنس البشرى وتاريخه المبكر ودراسة لموروثاته الثقافية بأنواعها .

واهتمت الفلسفة الرمزية التى صاغها ” كاسيرر ” وطورتها ” سوزان لانجر ” بالأشكال الرمزية للإنسان البدائى ، متمثلة فى اللغة والسحر والأساطير لتؤكد أن الإنسان حيوان رامز .

وكان من الضرورى ، تحت تأثير هذه النظريات وغيرها ، أن يعاد تقييم الكثير مما استقر فى ذهن العصر من آراء تاريخية واجتماعية ولغوية وغيرها من مختلف مناهج الفكر ومناحى الحياة .

ولما كان الإنسان هو المحور الأساسى الذى تدور حوله هذه النظريات كان لابد أن تتداخل جميعاً من أجل تفسير كينوته وإدراك كنهه ، والنقد الأدبى – بشكل من الأشكال – هو محاولة لتفسير الإبداع الأدبى بحسبانه نتاجاً إنسانياً يعبر عن الإنسان ودوافعه .

ومن خلال هذه الغاية وعلى ضوء معطيات الفكر والنظر الحديث يولد نقد أدبى ، ينشد التحرر من قيود النقد القديم ، ويحاول التخلص من أوجه قصوره ، باستخدام هذه المعطيات على أن تذوب فيه ولا يذوب فيها ، ذلك هو النقد الأدبى الحديث الذى يقوم على استخدام هذه المعطيات من مجالات العلم المختلفة من أجل الوصول إلى فهم أفضل ، وتفسير أشمل للإبداع الإنسانى .

والمنهج الأسطورى فى تفسير الشعر القديم محاولة لإيجاد منهج نقدى من هذا النوع يستمد أصوله من ضروب العلم المختلفة ليكون أكثر فهماً للأدب وأكثر قدرة على تفسيره .

وقد كان وراء اختيار “المنهج الأسطورى فى تفسير الشعر الجاهلى” موضوعاً للبحث بتوجيه من أستاذى الدكتور على البطل عوامل من أهمها :

أولاً  :  ما يمثله هذا المنهج من رؤية جديدة وجرئية للتراث الشعرى القديم ، تستمد جدتها وجرأتها من مخالفتها لما استكانت إليه الدراسات
السابقة ، حيث يكشف المنهج عن ارتباط الشعر الجاهلى الوثيق بالفكر الميثودينى ، وهو جانب ظل مجهولاً طيلة القرون السابقة من حياة هذا التراث الشعرى .

ثانياً  :  تزايد الدراسات التى أخذت تسير فى هذا الاتجاه فى النصف الأخير من هذا القرن متأثرة بنتائج الدراسات العلمية الحديثة من ناحية ، ومتأثرة بتطبيق هذا المنهج على الفن القديم فى الغرب من ناحية أخرى .

ثالثاً  :  إن هذا المنهج لم يكن موضوعاً لدراسة أكاديمية تعرض لمفاهيمه وأصوله ، وتتناول مراحل تطوره ، وتضعه بين مناهج النقد الأخرى دراسة ونقداً وتقييماً .

لذلك عمدت الدراسة إلى بيان أصوله العامة ومفاهيمه الأساسية التى قام عليها من العلوم الإنسانية الأخرى ، كما عنيت بالتأريخ للمنهج وبيان خطوات نموه ومراحله من مرحلة البدايات الراصدة إلى مرحلة التفسير الموثق ، ثم اهتمت الدراسة بوضع هذا المنهج فى موقعه بين المناهج الأخرى التى تناولت شعر ما قبل الإسلام . وحاولت فى النهاية تقييم المنهج ودراساته .

وكان ذلك يعنى أن ينقسم البحث إلى فصول أربعة :

الفصل الأول :

يتناول الأصول النظرية العامة والمفاهيم الأساسية التى استمدها من مقولات وفروض الدراسات العلمية فى المجالات النفسية والأنثروبولوجية والرمزية والنقدية .

الفصل الثانى :

ويعنى بالمرحلة الأولى من مراحل نمو هذا المنهج وهى مرحلة البدايات الراصدة غير الموثقة ، والتى بدأت برصد الجاحظ لصورة صراع الثور الوحشى وكلاب الصياد فى القصيدة .

الفصل الثالث :

ويعالج المرحلة الثانية من مراحل التفسير الأسطورى ، وهى مرحلة التفسير الموثق والتى بدأت أيضاً بتفسير صورة الثور الوحشى فى شعر ما قبل الإسلام .

الفصل الرابع :

ويهتم بوضع المنهج الأسطورى فى تفسير الشعر الجاهلى فى موقعه

بين المناهج الأخرى التى تعرضت لشعر هذه الحقبة كالمنهج الوجودى والنفسى والبنيوى ، ويحاول أيضاً تقييم المنهج ، وتقييم الدراسات التى قامت عليه .

ولعل كلمات الشكر وعبارات التقدير لا تكفى وفاءً لما يدين به البحث والباحث ، ولكنها جهد المقل ، لأن ما طوق عنقه من معروف أكبر من أن يرد ، نحو أساتذة ذوى فضل يقرّ بفضلهم وإخوة ذوى كرم يعترف بكرمهم .

وأقرّ ما حييت – بصفة خاصة – بفضل أستاذى الدكتور على البطل والأستاذة الدكتورة نادية كامل ، فقد تعلمت فى كنفهما الرحيم باحثاً ، وعشت فى ظلهما المقيم إبناً وأخاً وصديقاً ، لهما أعمق شكرى وأعظم تقديرى .

ولكل من أسدى يداً أو قدم عوناً خالص الشكر والعرفان .

الفصل الأول

أصول المنهج الأسطورى العامة

1 – 9

قدم الفصل عرضاً لأصول المنهج الأسطورى العامة ومفاهيمه الأساسية التى شكلت الأسس النظرية التى يقوم عليها ، وقد قدمت الدراسات النفسية مفهوم ” يونج ” للاشعور الجمعى ، ذلك المستودع الذى يكمن فى أنسجة دماغ الإنسان ، ويحوى تجارب الأسلاف وخبراتهم ، ولا تظهر مكونات هذا اللا شعور حية إلا عبر مجال الأعمال الإبداعية ، فى رؤى الفنانين ووحى المفكرين وتجارب المتصوفة .

فاللا شعور الجمعى هو مكمن الموروث من تاريخ البنية العقلية البشرية ، يكل ما يمثله هذا الموروث من أساطير البداية والخلق والموت والبعث ، مضافاً إلى ذلك كله المكونات الدينية والعقدية والخرافية .

ويقوم اللا شعور بخلق الرمز وإبداعه وتعتمد عملية الترميز هذه على المقدرة الفطرية للفنان أو المبدع على إدراك مضمون اللا شعور يقظة وهى مقدرة الحدس من ناحية وعلى الإحساس بالهوية العميقة والتوحد التام بين الذات والموضوع بالعودة إلى الإنسانية البدائية التى تسكن فى أعماقه وذلك هو الإسقاط من ناحية أخرى .

ولا يخفى أن فرضية اللا شعور الجمعى يكتنفها قدر من النزوع الصوفى أو اللا عقلانى ، يجعلها أقرب إلى التأملات الميتافيزيقية ، ولكن
” كارل يونج ” ينفى ذلك قائلاً ! إن اللا شعور الجمعى ليس مفهوماً تأملياً ولكنه مفهوم ” أمبريقى ” يفترض وجود غرائز وعوامل فطرية قبلية يتأثر بها النشاط الإنسانى . وهذا أمر لا يمكن أن تنكره الدراسات النفسية فى رأيه .

أما مكونات اللا شعور الجمعى فهى الأنماط العليا ، صور كونية توجد منذ أزمنة بعيدة الغور ، وتعود إلى حين كان الشعور الإنسانى مرتبطاً بالكون متوحداً فيه عن طريق الترميز والأسطرة ، وهذه الصور النمطية هى التى تصل الإنسان بجذوره الأولى ، فيظل مرتبطاً بأرضه وجنسه وأسلافه .

ويقسم ” يونج ” الأنماط العليا إلى مرتبتين :

ويرى ” أرمسترونج ” أن صور ” شيكسبير ” تنحو إلى أن تستمد من توافق الأصوات ومن الرمزية الموروثة أو الشخصية أكثر من أنها تستمد من المشاهدة والتجربة الحقيقية(1) ويعود بعد أن يجرب استعمال عناقيد الصور لإجابة أسئلة عن الملاحظة الخاصة عند شيكسبير وتجربته وحياته وشخصيته ليقرر أن البحث عن الأمور الذاتية خلال عناقيد الصور محفوف بالخطر فى خير أحواله وأن الذين يريدون شواهد عن حب الشاعر أو عن خصائص خليلته عليهم أن يبحثوا فى مكان آخر .(2)

كما تحدث ” كينيث بيرك Kenneth Burke ” فى كتابه ” نزعات نحو التاريخ ” Altitudes towards History 1937 عن عناقيد الصور وبينّ أنها أوضح الدلائل الهادية للكشف عن العمل الرمزى فى آثار هذا الفنان أو ذاك(3) . كما حاول معتمداً على الشواهد التى جمعتها الآنسة
————–

(1)   نفسه ج1 ص 309 .

(2)   نفسه ج1 ص 310 .

(3)   نفسه ج1 ص 202 .

” سبيرجن ” أن يرسم المنحنى فى كتابات شيكسبير فى علاقتها بمنحنى التاريخ فى أيامه ، وهو وإن عد كتاب ” الصور عند شيكسبير ” من أخصب المؤلفات فى الأدب فقد اقترح حداً آخر تحتاجه طريقتها وهو إضافة المعيار النوعى المعتمد على فحوى الصور إلى مقياسها الكمى المحض أى أن تمنح وزناً خاصاً للصور التى تظهر فى مواطن حساسة من الكتاب كالفاتحة أو الخاتمة أو نقطة التحول .(1)

واستمر الاهتمام بعناقيد الصور واستخدامها حتى تناول
” كلينث بروكس ” Kleanth Brooks فى كتابه ” الزهرية المحكمة الصنع ”
The Well Wrought Uran ( 1947 ) كشفها وجداولها عن الصورة المسيطرة فى مسرحية ماكبث وهى صورة ” الرداء الذى لا يناسب مرتديه ” واتخذها نقطة بدء فى تحليله للمبنى الرمزى فى المسرحية .(2)

الأولى : الأنماط الشخصية ويقول إنها يمكن أن ترى مباشرة فى شكل شخصى ويذكر منها الظل Shadow الذى يخفيه الإنسان وراء القناع Persona والأنيما Anima وتقابل الأم فى نمط القران المقدس ، والمعنى أو الحكمة Meaning or Wise old Man .

الثانية  : أنماط التحول ويذكر منها نمط الأم الذى يحمل الصورة الفطرية الموروثة للأم الطبيعة والأم الأرض والأم الروح ، ونمط الطفل المخلص الإله أو البطل الذى يمثل البداية والنهاية وتتوحد فيه الأضداد ،
————–

(1)   نفسه ج1 ص 311 .

(2)   نفسه ص 312 .

ونمط البنت ويحمل صورة العذراء والمجهولة والأنثى الخرافية والأضحية ، ونمط المخادع الذى يرتبط بالحيل والغموض والتناقض الذاتى .

وترتبط بالأنماط العليا ظاهرة من أبرز الظواهر الطقوسية هى ظاهرة الميلاد الجديد أو العبور Rebirth التى تعنى الانتقال الشعائرى من مرحلة إلى مرحلة أخرى ، وتسود هذه الظاهرة معظم الأساطير القديمة وتمثل ملمحاً فى طقوس حياة الشعوب .

إن ” كارل يونج ” يجعل الأنماط العليا مكوناً من مكونات اللا شعور الجمعى ولكن تقسيمه يحمل فى طياته الكثير من الغموض فما هذه الأنماط العليا ” الشخصية ” ؟ وكيف يجتمع أن ترى فى شكل شخصى مباشر
وأن تكون فى الوقت نفسه لا شعوراً جميعاً ؟ وهل يدخل نمط القران المقدس The Syzygy الذى تمثل مكرورته الأم العظمى والأب الأعظم ضمن الأنماط الشخصية ؟ .

ويثير تداخل الأنماط العليا تساؤلاً هاماً : أين يقع الحد الفاصل بين المرتبة الأولى والمرتبة الثانية من هذه الأنماط ؟ أو بتعبير آخر فى أى طبقة من طبقات اللا شعور الجمعى تظهر كل مرتبة منها ؟ .

وعلى الرغم من ذلك فقد شكل مفهوم اللا شعور الجمعى والأنماط العليا أبرز أسس هذا المدخل النقدى فأصبح البحث عن هذه الأنماط والتماسها فى الأعمال الإبداعية هو الذى يحدد قيمة هذه الأعمال وخلودها لأن هذه الأنماط هى منتجات الفطرة الخالصة .

وعلى الأساس نفسه من استبقاء الموروث ، قامت الدراسات الأنثروبولوجية رافداً يمد الدراسات النقدية بمفاهيمه التى تؤكد أهمية الموروث الثقافى متضمناً العادات والتقاليد والنظم والطقوس الدينية ، ودور هذا الموروث لا فى تشكيل الحاضر الثقافى ، بل فى تشكيل المستقبل أيضاً .

إن فكرة ” الإرث ” قد نبعت عند باحثى الأنثروبولوجيا من تلك التشابهات القريبة للطقوس والمعتقدات والحكايات عند أرقى الشعوب وأدناها تحضراً ، لتدل على وراثة هذه المواد من ناحية ، وعلى وحدة النسق الفكرى والعقلى الذى قامت عليه الثقافة البشرية من ناحية أخرى .

وإذا كان ” تايلر ” قد دعا إلى وجوب تذكر الأصل دائماً فقد راح
” فريزر ” يبحث عن الأصل ويتبع جذوره إلى بدايات ما قبل التاريخ ليؤكد أن هذا الأصل ممثلاً فى الطقوس الأسطورية البدائية باق وسيظل باقياً فى الذاكرة الجمعية للإنسان ، ليكشف عن مدى التشابه العميق فى عمليات العقل البشرى حين يضع فلسفته الأولى عن الحياة وحين يصل إلى أقصى درجات تحضره ، وهذا التشابه العميق يدل على وجود تشكيل قبلى لا شعورى يمثل البنية العقلية أو النسق الفكرى ، تلك البنية التى راح ” شتراوس ” وغيره من رواد الأنثروبولوجيا البنائية يبحث عنها من خلال تحليله للأسطورة .

لقد صار القول بالأصل الأسطورى والتكوين الشعائرى للفن هو اتجاه المدارس التى طبقت النظريات الأنثروبولوجية على الفن والفكر القديم بالبحث عن الأصول الدينية القديمة منعكسة فى الدراما والشعر والفن ، أو بالبحث عن صلات القربى بين الشعائر الطقوسية المختلفة والإنتاج الإنسانى الأكثر رقياً كالمسرحيات والفنون المختلفة .

وكان منهج العودة إلى الموروث الذى يقوم على دراسة الفن من حيث اتصاله بمنابعه وأصوله الأولى محوراً من المحاور التى اهتمت بها الدراسات الرمزية للإنسان ، وكان ” فيكو ” الرائد الحقيقى لهذا المنهج ، يتناول العلاقة بين اللغة والشعر والأسطورة ، ليخلص إلى أن الفن لا يمكن أن ينسى عصره المقدس أو يضيعه فهذا العصر هو منبع الخلق الفنى الذى لا يجف ومعينه الذى لا ينضب .

ويربط ” هيردر ” بين الشاعر وبين منابعه الأصيلة ، فيرى أنه يكون شاعراً حقيقياً بمقدار كونه بدائياً يعود إلى اللغة المبكرة لغة الرمز والمجاز التى صنعت القصة الخرافية والأسطورة .

وحاولت الفلسفة الرمزية أن تجد فى الرمز مفتاحاً لفهم طبيعة الإنسان ، وتهتم بالأشكال اللغوية والفنية والميثولوجية التى تمثل وسيطاً رمزياً يواجه به الإنسان الكون من حوله ، وهذا الوسيط أعنى الأشكال الرمزية ، نتاج تفاعل بين عالم الإنسان وعالم الواقع ، بين العالم الداخلى والعالم الخارجى . والأسطورة عند ” كاسيرر ” شكل حياة رمزى ، يعبر عن الواقع الطبيعى بلغة الواقع الاجتماعى البشرى ، ويعبر عن الواقع الاجتماعى البشرى بلغة الطبيعة .

وتؤكد الدراسات الفلسفية الرمزية الدور الذى يقوم به الشعر والفن فى عمليات الأنسنة والتشخيص لتدل على أن التشكيل الشعرى والتشكيل الميثولوجى لا يسبق أحدهما الآخر ولا يقف بإزائه ، لأنهما يمثلان معاً الذروة المتآنية للتطور الشعرى ” الميثودينى ” .

لقد بدأت الأسطورة من خلال أزمة الشعور الميثولوجى التى نشأت عن وجود الإنسان وعلاقته بالكون من حوله لتحقق ” موضعة ” مشاعره ، أما الشعر فلم يكن مجرد انعكاس لهذه الأزمة التى تغلغلت فى نفوس الشعراء ولكنه كان يزيد هذه الأزمة عمقاً وتركيزاً .

وانبثقت الدراما مباشرة من الطقوس والشعائر العقدية كما يرى
” كاسيرر ” ويصدق هذا على جميع الشعوب بحيث يمكن القول بأن الطقس أو الشعيرة هى الأصل الذى تطورت عنه الفنون والآداب فى الحضارات المختلفة .

وليس معنى هذا وجود علاقة سببية أو أسبقية زمنية بين الفن والشعر من ناحية والطقس والشعيرة من ناحية أخرى بل إن كليهما الشعيرة والفن منتوجات إنسانية متداخلة ، يتخلل بعضها بعضاً ، أفرزها تفاعل الإنسان مع الوجود محاولاً أن يجد ذاته فى عالم رمزى من صنعه فى مقابل العالم الواقعى والفيزيقى المحيط به .

وتتفق ” سوزان لانجر ” مع ” كاسيرر ” فى اعتبار الأسطورة المرحلة البدائية للفكر الميتافيزيقى والتجسيد الأول للأفكار الكلية عن الكون . وترى أن الأساطير والخرافات ليست أدباً ولكنها خيالات أنتجها تفاعل الإنسان مع واقعه ومن ثم فهى المواد الخام الفطرية والطبيعية للفن .

وكانت الدراسات النقدية الحديثة ، التى عنيت بالبحث فى نظرية الأدب وفلسفة الفن ونشأته ووظيفته وتشكيل الصور فيه قد توصلت إلى العلاقة الوثيقة بين الفن والسحر وبين الفن والدين بحيث يصعب فصل الشعر كنتاج مستقل لأنه يكون فى البداية ممتزجاً بالطقس والرقص والموسيقى ، ويبقى الفن حتى فى مراحل العقلنة التشكيل الوحيد الذى يحلم بالبداية
المفقودة ، ويعود إلى حالة الحياة الجماعية .

كما ربطت الدراسات النقدية تشكيل الصورة بالخيال والمجاز باعتبارهما اللغة الفطرية الأولى التى تمثل أداة التجسيم ، حيث التجسيم سمة تتسرب فى كيان الإنسان عميقة موغلة لأنها تحمل بقايا اعتقادات قديمة غامضة تمتزج بالنفس البشرية وتشدها إلى الطبيعة .

وتربط الدراسات النقدية أيضاً تشكيل الصورة بتجسيدها لرؤية رمزية ، فالشاعر يخلق عالمه الشعرى الذى يبدع فيه صورة الفنية ، لتكون هذه الصور مزاجاً بين عالم الشعر وعالم الواقع ، وما يزال الشاعر يلح على هذه الصور ويعكف عليها ، حتى تغدو صوراً مكرورة ، تصبح نمطاً عنقودياً يستدعى بعضه الآخر ، ومن خلال هذه الصور يبوح الشاعر بمكنونات نفسه ، وهذا العمل يحدث لا شعورياً إلى حد كبير ، فهو نوع من الكشف يعبر فيه الشاعر وفى لحظات مده الشعورى عما فى فكره من أشياء وأحداث رآها وتذكرها ، أو عن أشياء وأحداث لم يرها ولم يتذكرها ولكنها نتاج اللا شعور . ويتقدم البحث فى عناقيد الصور إلى حد القول بأنها استمداد من رمزية موروثة لا من مشاهدة أو تجربة شخصية ومن ثم يكون البحث عن الأمور الفردية الشخصية خلال هذه العناقيد أمر محفوف بالمغالطة والخطر فى أفضل أحواله .

الفصل الثانى

مرحلة البدايات الراصدة

الفصل الثانى

مرحلة البدايات الراصدة

2 – 8

كانت مرحلة البدايات الراصدة التى بدأت بالجاحظ برصد صورة من الصور النمطية التى تكرر ورودها فى شعر ما قبل الإسلام ، ويلفت النظر إلى ما أطلق عليه ” عادة الشعراء ” حين تكون الكلاب التى تقتل بقر الوحش فى المرثية بينما تكون المقتولة فى قصيدة المديح ، تلك الصورة التى عرضها النقاد المحدثون على المعطيات العلمية والكشوف الإنسانية وأساطير القدماء ، ليربطوا بين الثور الوحشى وبين القمر محاولين فى النهاية أن يرسموا ملامح أسطورة قديمة – وإن كانت هذه الملامح غير دقيقة – تحكى العلاقة بين الكواكب والظواهر الطبيعية المختلفة .

ثم كانت محاولة ابن قتيبة لاستقراء النموذج الشعرى ، رسومه وتقاليده ، وتفسير هذه الرسوم وتلك التقاليد ، وأثر رؤية ابن قتيبة على النقد القديم والنقد الحديث وما أدت إليه هذه الرؤية من افتئات على التراث الشعرى القديم ، حتى تهاوت تفسيرات ابن قتيبة عند إخضاعها للنظر العلمى والنقدى بمناهجه المتقدمة .

وبدأت الدراسات الحديثة للربط بين شعر ما قبل الإسلام والمراحل البدائية السابقة من منطلقات ترى أنه من المستحيل الاعتقاد بأن هذا الفن الشعرى الراسخ ليس وليد تطور طويل ، وتربط بين الأسطورة والفن باعتبار الأسطورة مصدر أفكار الأولين ، وملهمة الشعر والأدب عند الجاهليين فكانت الدعوة للاهتمام بدراسة الأساطير العربية ووصل ما انقطع من طقوس وشعائر مرحلة ما قبل الإسلام بأصولها السامية الضاربة فى أعماق الزمن تلك الدعوة التى بدأها الدكتور طه حسين حين رأى أن عصر ما قبل الإسلام لا يمكن فهمه بدون الاعتماد على أساطيره ، كما توسع فى كتابة الأساطير جزءاً هاماً من السيرة النبوية ، وأثمرت دعوة الدكتور طه حسين دراسات فى أساطير ما قبل الإسلام من أهمها دراسة الدكتور محمد عبد المعيد خان ، وإن كان لم يحاول تطبيق ما أشار إليه من أن الأساطير هى ملهمة الشعر والأدب عند الجاهليين ، لأنه كان بسبيل تجميع هذه الأساطير ومعرفة نظامها الميثولوجى .

وقد تنبه الدكتور عبد الله الطيب إلى الارتباط الوثيق بين النسيب وعقائد الجاهليين الأولين فى تقديس الأنثى وتأليه الخصوبة ، حيث يرصد رموز المرأة فى الشعر الجاهلى من حيوان كالناقة وشجر كالنخلة والسرحة وغيرها من الرموز كالسفينة والشمس والنار والسحابة ، ويربط بين هذه الرموز وبين عبادة المرأة رمزاً للخصوبة ، ويحاول بعد ذلك أن يصل ما جاء من نعت المرأة ومقاييس جمالها عند العرب بالتراث اليونانى ممثلاً فى النموذج ” الأفروديتى ” .

وعلى الرغم من أهمية ووجاهة ما وصل إليه الدكتور الطيب فى بعض الأحيان إلا أن نقص مصادره ، وعدم توغله فى اساطير القدماء التى تمثل ينابيع الصورة فى شعر ما قبل الإسلام ، أدى به إلى كثير من الإبعاد والغموض نتيجة للفروض الظنية والملاحظات الانطباعية التى تفتقر إلى التوثيق ، ومثال ذلك قوله بأخذ العرب للنموذج ” الأفروديتى ” عن اليونان وتقليده فى شعرهم ، وهو ما يثبت التوثيق التاريخى واللغوى نقيضه تماماً .

كما أدى إهمال الأساطير السامية القديمة ، والضرب عن التوغل فى التراث الأسطورى إلى عجز الدكتور مصطفى ناصف عن تحديد الأنماط العليا الكامنة فى لا شعور العربى القديم ، فاكتفى بعرض الإسقاطات الروحية والعاطفية للشاعر مما يعد ابتساراً لمفهوم اللا شعور الجمعى الذى لا ينفصل عن العقائد والطقوس الميثودينية ، لذلك جاءت بعض تحليلاته ، على الرغم من دقتها ومتعتها ، غير مستقيمة مع الأصول الأسطورية كتحليله لصورة الفرس حين رآه رمزاً للأبوة والبطولة ، بينما تجعله الأساطير السامية رمزاً للشمس .

وقد شاء الدكتور البهبيتى أن يجعل ملحمة جلجامش المعلقة العربية الأولى وربط بين جلجامش ورستم وأسفنديار وموسى بن ميشا وذى القرنين وهرقل والخضر فى جرأة ينقصها الكثير من التوثيق العلمى والدقة
المنهجية ، وعلى الرغم من محاولته أن يعقد صلة ما بين بعض صور الشعر الجاهلى ، وبعض مشاهد الملحمة ، كمحاولة الربط بين الصورة التى يرسمها طرفة لنفسه أثناء لهوه ، ومشهد جلجامش مع بائعة الخمر ” سدورى ” ، أو الربط بين وصف السفينة وعظمها وطبقات سفينة ” أوتو نفستم ” التسع اعتماداً على أنها معان وصور وتقاليد تتلكأ فى ذاكرة الأجيال ، إلا أن الأمر يلفه الغموض فهذه الآراء والافتراضات – وإن كانت مشروعة – لا تقوم على أساس علمى متين .

لقد كانت مرحلة البدايات الراصدة تهتم برصد صور الشعر القديم ، وتستقرئ رموزه وتصل بين متشابهاته وقد حاول أصحابها ما وسعتهم المحاولة أن يربطوا هذه الصور والرموز والمتشابهات بالتراث الأسطورى ، ولكن نقص مصادر هذا التراث بين أيديهم أو تجاهلهم لأهميته طبع هذه المرحلة بطابع التخمين أو الظن ، فاتسمت دراساتها فى أغلب الأحيان بالانطباعية التى تفتقر إلى الموضوعية المنهجية والتوثيق العلمى .

الفصل الثالث

مرحلة التوثيـق

3 – 8

تناول الفصل عرضاً لما وقع تحت يدى الباحث من الدراسات الموثقة فى تفسير شعر ما قبل الإسلام تفسيراً أسطورياً أو نمطياً ، وربما كانت هناك دراسات غيرها لم يتيسر الحصول عليها ، غير أن ما ورد عنها فى المباحث المختلفة يرجح أنها لم تخرج عن إطار ما عرض من دراسات . والمقصود بالدراسات الموثقة تلك التى تعتمد فى تفسير الشعر القديم ورده إلى أصوله ومنابعه على الوثائق التى ترتد إلى هذه الأصول وتلك المنابع ، ولعل أبرز هذه الوثائق الملاحم السامية القديمة والدراسات التى قامت على هذه الملاحم على يد المستشرقين والعرب ، بالإضافة إلى دراسات الأديان والحضارات القديمة التى استقرت فى المنطقة وتتبع ورصد طقوسها وشعائرها ، مع العودة بالضرورة إلى ما تبقى – وهو قليل – من أخبار عن عبادة عرب ما قبل الإسلام وطقوسهم وشعائر عقائدهم .

وقد اختلفت مداخل أصحاب هذه الدراسات إلى الشعر القديم بحسب رؤية كل منهم وأدواته من محاولة لتفسير صورة من صوره كمحاولة الدكتور المطلبى ، أو دراسة غرض من أغراضه مثل محاولة الدكتور مصطفى الشورى ، أو النظر إلى هذا الشعر نظرة متكاملة مثل محاولة الدكتور على البطل . ولا تمثل هذه المحاولات تسلسلاً تطورياً بحيث يمكن القول إن مرحلة تؤدى إلى أخرى ولكنها محاولات تتداخل جميعاً داخل إطار المنهج الأسطورى بعد أن تجاوز مرحلة البدايات الراصدة إلى مرحلة التوثيق .

بدأت  تلك المرحلة بالدكتور المطلبى يتناول قصة ثور الوحش وتفسير وجودها فى القصيدة الجاهلية ، ويتتبع مظاهر عبادة الثور عند القدماء من الساميين ، وتأثر عرب شبه الجزيرة بتلك العقائد ليصل فى النهاية إلى أن صورة الثور الوحشى إنما هى تطور لشعائر دينية قديمة تتصل بقدسية الثور وما كان يرمز إليه من الخصب والمطر ، ولكن الدراسة عنيت بالثور نفسه رمزاً للقوة والخصوبة فى أساطير القدماء وأغفلت القصة بعناصرها المتكررة ، وقد كان يمكن بمحاولة تفسير هذه العناصر وضمها إلى بعضها إثراء تفسير قصة ثور الوحش وتدعيم ربطها لا بطقوس الخصوبة فقط بل بطقوس الصيد وعبادة الأشجار وغيرها من الكواكب والظواهر الطبيعية .

أما الدكتور نصرت عبد الرحمن فعلى الرغم من وعيه بوجود حياة ميثولوجية كامنة فى صور الشعر القديم ، إلا أنه استساغ دراسة هذا الشعر فى ضوء الدين الوثنى ، وقد حاول الربط بين المرأة ورموزها كالدمى والشمس والغزال والمهاة والدرة ، غير أن وقوفه عند المرحلة الوثنية لم يكن كافياً لاستخراج ما فى هذه الصور من مكنون ميثولوجى ذلك أن اللا شعور الجمعى الذى اعتمده إطاراً نظرياً لبحثه لا يقف عند مرحلة بعينها ، كما أن قول الدكتور نصرت بالمعادل الفلكى الذى يرى فى صور الشاعر ورحلته معادلاً لمنطق السماء عند الجاهليين لا يعد تفسيراً مقنعاً ن ثم جاءت محاولته البحث عن رموز لأسماء النساء فى الشعر القديم محاولة متعثرة تغلب عليها الانطباعية أحياناً وتلتوى بالنصوص الشعرية أحياناً أخرى .

ويقدم الدكتور على البطل على ضوء هذا المنهج رؤية متكاملة للشعر القديم لا تقنع بتفسير صورة ، ولا تكتفى بدراسة غرض ، ولكنها تتخذ من ارتباط نشأة الفن بالفكر الميثودينى ، ومن قياس المجهول فى فكر أسلافنا على ما صار معروفاً لدينا عن الأمم القديمة ، وسائل لتفسير أسطورى يوغل فى صورة المرأة المعبودة رمز الأمومة والخصوبة التى ارتبطت بالشمس ويتتبعها مثالاً وواقعاً ، ويحاول أن يعيد بناء أساطير يفترض وجودها
ويرى ضياع أصولها تربط بين الحيوان وبين الصور السماوية والظواهر الطبيعية ، وإن كانت ملامح هذه الساطير غير واضحة المعالم لأن ذلك رهن بما لم يكتشف بعد ، كما يحاول أن يعود بصور المدح والفخر والرثاء والهجاء إلى ما يراه جذوراً أسطورية وأصولاً شعائرية لهذه الصور .

وعلى الرغم من تكامل الرؤية ومنهجية الأسس والأدوات فالدراسة لم تقف متأنية أمام بعض الصور النمطية – وإن لم تغفلها – مثل صورة الطلل والرحلة والسيل هذا بالإضافة إلى أن دراسة النماذج العليا يحوطها الغموض ، ولعله غموض المفهوم نفسه لما فيه من نزعة ميتافيزيقية تحتاج عند التطبيق إلى الكثير من التأصيل العلمى .

وإذا كانت دراسات سابقة قد أرهصت من قريب أو بعيد ببعض ما ذهبت إليه دراسة الدكتور البطل فإن الموضوعية العلمية تبقى لهذه الدراسة فضل عمقها وتوغلها فى التراث الميثولوجى والدينى إلى جانب الخط المنهجى الواحد الذى تسير عليه لتكشف عن مضمون الصورة وترود به الطريق لدراسات أخرى فى مجال التفسير الأسطورى .

ويرى الدكتور إبراهيم عبد الرحمن أن الكشف عن طبيعة العلاقات الخفية فى الشعر ، تلك التى حملت الشعراء على الجمع بين عناصر وأطراف تبدو متنافرة فى الواقع لا يتم إلا بالكشف عن الأصول الميثولوجية لهذا الشعر ، وعلى أساس من الصلة الدينية بين الشمس والمرأة يحاول أن يفسر الصور التشبيهية التى يربط فيها الشعراء الجاهليون بين الشمس والمرأة وبين المرأة والغزالة والمهاة والفرس والنخلة وغيرها من الحيوانات والنباتات التى كانت رموزاً للشمس .

ويربط الدكتور إبراهيم عبد الرحمن بين أحداث ” دارة جلجل ” وبين أحداث ملحمة ” المهابهارتا ” وتحمله المشابهة بين شخصية امرئ القيس وشخصية كريشنا وبينهما وبين شخصية أوديب فى أسطورته المعروفة على القول إن الأساطير القديمة تتداخل بعضها فى بعض وإنها قد غدت مادة شعرية خصبة وإن شخصية امرئ القيس وغيره من الشعراء كما يستخلصها الرواة من أشعارهم شخصيات أسطورية .

ويحاول الدكتور أحمد كمال زكى البحث عن التشكيل الخرافى فى شعرنا القديم ، ويرى أن الخرافة جزء من الأساطير العربية وفى هذا القول نظر ، فالبعد شاسع بين الخرافة حكاية بطولية تحفل بخوارق أبطالها من البشر أو الجن ولا دور فيها للآلهة وبين الأسطورة حكاية مقدسة ، تسجل أفعال الآلهة ، وتمثل معتقداً دينياً ، تحمله ذاكرة الجماعة ، وتحافظ على طقوسه من جيل إلى جيل . وقد تلعب الخرافة دوراً ثقافياً ما فى حياة الجماعة ولكنها تفتقد قوة الإيمان بالأسطورة النابعة من قداستها ، وطابعها العقيدى .

ويعرض فى معالجته التفسير الأسطورى للشعر القديم لأنماط الحيوان ثم يتناول قضية الظعن وهيئة الموكب ليربط ذلك برحلة الشمس ، غير أن ذلك كله ما يزال فى حاجة إلى توثيق أعمق وربط أقوى بالتراث الأسطورى القديم فلا يكفى فيه الاقتصار على المراحل القريبة من العهد الجاهلى .

ولم تقدم دراسة الدكتور مصطفى الشورى لشعر الرثاء فى العصر الجاهلى ما يمكن أن يعتبر إضافة على المنهج الأسطورى ، أو رؤية متميزة فى هذا الشأن ، فمعظم ما يتعلق بالموت والرثاء من مثل الهامة والرذية وأخبار الكهان ، والحيوان وتقديسه وقصص الموت وما قام حول بعض الأجرام من أساطير ، وورود الحيوان فى المراثى ، وطقوس الخمر التى يقول إن أغلب الباحثين لم يلتفت إليها ، والربط بين التأبين وعبادة القمر ، كل هذه الأمور وغيرها ليست بالجديدة على البحث فقد شملتها الدراسات السابقة بشكل ما ، ولكن الدكتور الشورى يعود إلى تناولها ، وقد يشير إلى مصادر تفسيراته وتحليلاته أحياناً وقد لا يشير أحياناً أخرى .

وقد تحولت الباحثة أثناء أنس الوجود بدراستها عن الأفعى فى التراث العربى إلى المجال الأنثروبولوجى ، ولم تعد الدراسة تفسيراً أسطورياً لصورة الحية فى الشعر العربى بقدر ما أصبحت دراسة تربط حضارات المنطقة وثقافاتها ، يمكن أن تفيد فى مجال التفسير الأسطورى .

أما أبرز ما يميز الدراسات الموثقة فهو خلوها – فى معظمها – من الكثير مما شاب النقد العربى ، وخاصة ذلك الذى يتعرض لتفسير الشعر القديم ، من نزعة انطباعية عجز معها النقد لفترة طويلة عن استخراج مكنون هذا الشعر وكشف أسراره .

ولكن هذه الدراسات على الرغم من جديتها وموضوعيتها التامة فى أغلب الأحيان تصطدم بالعقبات التى لابد منها ، متمثلة فى ضياع معظم التراث الشعرى القديم أو محاولات تضييعه لأسباب مختلفة بالإضافة إلى قلة ما بين يدى أصحاب هذه الدراسات من كشوف ونقوش وكتابات قديمة تصل ما انقطع بين هذا التراث الشعرى وأصوله ، مما جعل بعض نتائج هذه الدراسات تبدو غير يقينية أو غير واضحة المعالم .

الفصل الرابع

المنهج الأسطورى والمناهج الأخرى

إن الطبيعة الطقوسية لشعر ما قبل افسلام تفرض وجودها على كل مدخل نقدى حين يسعى إلى تفسير صور هذا الشعر ، بحيث لا يستطيع
ناقد ، ما حمل بين يديه من تقنيات أن ينفلت من هذا التأثير الشعائرى .

وإذا كانت المداخل النقدية التى تستشرف بالشعر الجاهلى آفاقاً وجودية تقول بأن هذا الشعر يعبر عن موقف الإنسان من الحياة والكون حوله وما يدور فيهما من صراع ومتناقضات ، وإذا كان المدخل البنيوى يصل وقد وتقطعت أنفاس أصحابه داخل الدوائر والمثلثات والزوايا إلى مثل هذه النتيجة ، وكلا المذهبين لم يستطع أن يتحرر من سيطرة الطبيعة الجوهرية للشعر القديم كما سبق ، فإن هذه المذاهب وإن كان فيما توصلت إليه بعض الحقيقة لا تكفى لبيان ما يحمله هذا الشعر من مضامين ، وما يطويه من أسرار لأنه كان أشعاراً وشعائر فى الوقت نفسه كما قالت
” سوزان ستيتكيفتش ” .

يحاول ” ولبرز سكوت ” Wilburs Scott أن يضع نخطيطاً لأهم المداخل النقدية فى هذا القرن(1) ، ويعتبر المدخل النمطى أو الأسطورى أجدرهما بالاهتمام ، ويرى ” سكوت ” أنه يحتل موقعاً فريداً بين المناهج الأخرى .

ويعدد مزايا هذا المنهج فى أنه يتطلب قراءة نصية فاحصة فهو يهتم من الناحية الإنسانية بما هو أبعد من الاكتفاء بقيمة الجماليات الداخلية فى
————–

(1)  Wilburs Scott, Five pf Literary approaches criticism. New York. 1962.

النص كما يبدو المنهج نفسياً بمقدار ما يحلل قدرة جذب العمل الفنى للمتلقين بطريقة يراها امتداداً لدراسات ” ريتشاردز ” عن علاقة المتلقى بالقصيدة ، واجتماعياً فى اعتماده على الأنماط الثقافية الأساسية ، وتاريخياً فى بحثه عن الماضى الثقافى والاجتماعى ، وغير تاريخى فى إثباته قيمة الأدب اللازمانية مستقلاً عن عصور معينة .(1)

لقد كان هذا النوع من النقد نابعاً كما يقول ” فيدلر ” من إحساس الناقد بأن أعمق المعانى هى التى تمتد إلى ما بعد العمل المنفرد لتشمل كل الأعمال الأدبية ، وهى التى يجب أن تنشد فى الرموز النمطية البدائية التى يتجه إليها الكتاب قسراً .(2)

إن الأدب الأنثروبولوجى كما يرى سكوت يسعى لكى يعيد لنا إنسانيتنا . تلك الإنسانية التى تقدر العناصر البدائية فى طبيعة الإنسان ، فهو يعيد بناءنا كأعضاء فى الجنس البشرى العتيق ، والنقد النمطى يحتث خطاه لكى يكتشف فى الأدب حركة هذه العضوية .(3)

كما يؤكد ” رينيه ويليك ” (4) أن الاتجاه الأكثر حيوية بين اتجاهات النقد الرئيسية فى القرن العشرين هو النقد الأسطورى Myth Criticism .

————–

(1)                                                                       I bid : 247 .

(2)      I bid : 249 .

(3)  I bid : 251.

(4)  Rene Wellek, the Main Trends of th Century Criticsim New Haven, London, Yale Univ. press, 1963. P. 360.

وقد برز النقد الأسطورى فى تفسير شعر ما قبل الإسلام وتحليل صوره بروزاً واضحاً على الساحة النقدية لأسباب عدة منها ما يتعلق بالمنهج أدواته وتقنياته ، ومنها ما يتعلق بطبيعة شعر ما قبل الإسلام نفسه ، ومنها ما يتعلق بالبيئة العربية . أما ما يتعلق بالمنهج أدواته وتقنياته فهو يستعين بتنقيات علمية حديثة أدبية وغير أدبية من أجل الوصول إلى فهم أفضل وتفسير أكثر موضوعية لهذا التراث القديم ، يوغل فى شعر ما قبل الإسلام بحثاً عن الأنماط العليا التى حفظها اللاشعور الجمعى وتوارثها الإنسان عن أسلافه القدماء عبر المراحل المختلفة مستخدماً آراء ” كارل يونج ” التى أثبتها
” أمبريقيا ” ، ويربط بين الفن والشعر والأسطورة والدين كأشكال رمزية واجه بها الإنسان القديم الواقع ، وكظواهر روحية نتجت عن تفاعله مع الكون المحيط به ذواتاً حية وقوى ميتافيزيقية مجهولة يخشاها ويتقرب إليها مستخدماً آراء ” فيكو وهيردر وكاسيرر ولانجر ” وغيرهم من فلاسفة الرمزيين الذين اهتموا برمزيات الإنسان القديم .

ويؤكد بدائية الإنسان حتى فى أقصى حالات تحضره بإصرار على بقاء العناصر الإنسانية الخالصة ممثلة فى الصفات النفسية بعد الصفات الجسدية مستخدماً آراء ” تيلور ” وغيره من الأنثروبولوجيين .

ثم إن المنهج يوثق ذلك كله توثيقاً لا يترك فى تفسيراته وتحليلاته مجالاً للأحكام الانطباعية أو الأهواء الشخصية مستخدماً ما توصل إليه الآثاريون من نقوش وما تركه القدماء من أساطير أو تماثيل أو طقوس
دينية .

أما فيما يتعلق بشعر ما قبل الإسلام نفسه ، فقد جاء على نمط له خصائصه الثابتة التى تتكرر من قصيدة إلى أخرى ومن شاعر إلى آخر بما يستحيل افتراض التقليد أو العجز الفنى ، بالوقوف على الطلل ، والغزل ، ووصف الظعن والرحلة وتشبيهات الناقة المعروفة بالثور أو الظليم أو الحمار الوحشى ، ثم ما يأتى بعد ذلك ، هذه الخصائص الثابتة تضفى على شعر ما قبل الإسلام صفة الظاهرة الجماعية المعقدة التى تحتاج إلى البحث فى أصولها وعوامل ثباتها على هذا النحو ، لا إلى البحث فى جماليات بيت أو نصفه أو لفظة فيه من هذا الشعر ، ولكن إلى البحث فى صوره والغوص وراء منابعها وكشف سيطرتها بهذه الدرجة على شعراء هذه الحقبة ، سيطرة الفكرة المتسلطة أو العقيدة الراسخة لا يستطيعون منها فكاكاً ولا يملكون عنها خروجاً .

وأخال أن ما قدمه النقد الأسطورى للشعر القديم بوضعه لهذا التراث فى مكانه الحقيقى وما خرج به من نتائج فى تفسيره لصوره تفوق جرأة وجدية وموضوعية كل ما قدمه النقد التقليدى الذى دمغه بالسطحية والبداوة ، ودمغ أصحابه بالجهل والسذاجة ، وقد تباينت مداخل النقاد الأسطوريين إلى الشعر الجاهلى من مفسر لصورة من صوره كمحاولة الدكتور المطلبى تفسير صورة الثور الوحشى ، وإن عنى بتفسير رمز الثور ذاته أكثر من عنايته بتفسير عناصر الصورة كما جاء فى الفصل السابق ، ومحاولة ثناء أنس الوجود لتفسير صورة الأفعى وإن غلب الطابع الأنثروبولوجى والحضارى المقارن على الجانب الأدبى ، أو تفسيره صورة المرأة أو أحداث دارة جلجل للدكتور إبراهيم عبد الرحمن .

أو مفسر لغرض من أغراضه كمحاولة الدكتور مصطفى الشورى تفسير الرثاء فى شعر ما قبل الإسلام .

أما الدكتور على البطل فقد وضع الصورة الفنية فى شعر ما قبل الإسلام صورة المرأة والحيوان والإنسان وعناصر هذه الصور بين يدى المنهج الأسطورى فى محاولة رائدة – باعتراف نقاده – للبحث عن أصولها الشعائرية وما لحقها من تطور بعد ذلك .

لقد استطاع المدخل الأسطورى أن يفسر كثيراً من ظواهر الشعر القديم وصوره وعلى الأخص صورة المرأة ، وأن يربط ربطاً وثيقاً بين بعض أغراضه كالهجاء والرثاء وبين أصولها السحرية أو الطقوسية
القديمة ، ولكن الملامح المحددة الواضحة لبعض صور هذا الشعر لا تزال رهينة بما يكشف عنه التاريخ من آثار قديمة وتراث مطمور .

4-4

لعل ” مالكولم كاولى ” Malcolm Cowley الناقد الأميركى هو أكثر النقاد الذين هاجموا المدخل الأسطورى وحملوا على تفسيراته (1) ، فهو يذكر عدداً من هؤلاء الذين كرسوا جهودهم فى الأساطير والطقوس كما تجسدها الأعمال الأدبية القديمة ومن بينهم ” وليم تروى ” و” جوزيف كامبل ” و” ريتشارد تشيز ” و” ليزلى فيدلر ” ويرى أن هؤلاء سرعان ما تتحول بين أيديهم القصيدة أو المسرحية أو الرواية التى كتبت لتترجم عن طبع صاحبها —————

(1)  Malcolm Cowley : Literary Situation, Compass Books Edition, 1954, p. 16 FF.                                                                                         أو تعرض موقفه أو تروى حكاية إلى أسطورة تقوم على نظرية ” يونج ” ليصبح العمل الفنى ” تليماخوس ” يبحث عن أبيه ، أو ” أوديسيوس ” يهبط  إلى العالم السفلى أو طقوس عبور أو دراسة فى خيالات قديمة أو تفسير لاهوت لسقوط الإنسان .

ويضرب ” كاولى ” مثالاً على ذلك بالدراسة النقدية عن ” هيرمان ملفيل ” Herman  Melville التى أعدها ” ريتشارد تشيز ” حيث يرى

” كاولى ” أن شخصيات الروايات تتوقف عن كونها أشخاصاً لتصبح بدلاً من ذلك رموزاً أو متماثلات ؛ ” بيير ” هو وعاء نار ، ” بروميثوس ” حجر تسيطر عليه الآلهة ، ” إيزابيل ” هى الظلام ، ” لوسى ” هى النور ، وبعد صفحات قليلة يفسرها ” تشيز ” بمصطلحات مسيحية ، ” بيير ” هو المسيح ، أم ” بيير ” هى الكنيسة اليهودية القديمة ، ” لوسى ” هى القدس الجديدة ،
” وإيزابيل ” هى ” بابيلون ” …

ويمضى ” كاولى ” مع هذه المتماثلات ليصف عمل تشيز بأنه ليس أكثر من ” طبخة ” اعدها تشيز “بخلطة ” من الرموز الفرويدية والمسيحية (1) ولكن ” كاولى ” لا ينكر أن بعضاً من هذه القراءات أو التفسيرات النقدية مسوغة بالنص كما أنها تنجح إلى حد بعيد فى إعطائه بعداً جديداً ، ولا يملك إلا أن يعترف بأن البحث عن الأنماط الأسطورية ، دراسة مثمرة تساعد على كشف الصلة بين الأدب والعقل الجمعى .

ولكنه يعود مرة أخرى فى أسلوب ساخر ليشبه كثيراً من قراءات
—————

(1)                                                 Ibid : p. 16.

هذه المدرسة بجلسات تحضير الأرواح وحلقات السحر الشعبى ، فعندما يتلو
الناقد تعويذته ويلوح بعصاه السحرية يتحول كل شئ إلى شئ آخر .(1)

وتؤدى عملية التحول النقدى هذه فى رأى ” كاولى ” إلى المبالغة فى تفخيم الأعمال الأدبية والارتفاع بها إلى مستوى الوصايا أو الكتب المقدسة ، بالإضافة إلى أنها – كما يقول – تتضمن حطاً من قدر مؤلفيها وتتلاشى الكتابة الأصلية لصاحبها ليبقى النص المقدس بما يحمله من معنى .

كما أن هذا النوع من النقد يبعد القراء فزعاً من قراءة التحف الأدبية لأنه يجعلها كما يرى ” كاولى ” تبدو صعبة بدرجة مستحيلة لأنها توحى بأن على المرء لكى يتمكن من قراءتها أن يطالع رفاً من الكتب وأن يفكر ملياً فى التلميحات والإشارات الخبيئة فى كل جملة من العمل الأدبى ، ويحسب
” كاولى ” أيضاً أن كثيراً من النقاد يغرون بإحلال تلفيق الناقد محل ما قال المؤلف على وجه الحقيقة وفى هذه الحالة فقد استولى ” يعقوب ” على حق بكورة ” عيسو ” ، أما الناقد المبدع فلم يحتل مكان المؤلف فحسب بل إنه أيضاً ساقه إلى التيه .(2)

ويبدو أن ” مالكولم كاولى ” تعرض للتفسيرات الأسطورية غير المنضبطة وهى التى نشأت فى وقت مبكر من ظهور المنهج ، حين اندفع نقاد الأسطورة ومنهم ” ريتشارد تشيز ” بحماس شديد ، يطبقون دراساتهم ويقيمون تماثلاتهم الأسطورية والدينية دون ترو أو تحقيق حتى ليشبه
—————

(1) Ibid : p. 16.

(2)      Ibid : p. 17.

” بروكس ” حماسهم هذا بحماس أناس اكتشفوا فجأة نصف كرة أرضية
جديد ،(1) لذلك جاءت منطلقاتهم فى التفسير الأسطورى متباعدة إلى حد ما ، ” فنورثروب فراى ” كان يرى عظمة القصيدة فى الباعث الجوهرى لها وهذا الباعث هو النمط الأعلى ، بينما كان ” ليزلى فيدلر ” يرى القصيدة حدثاً فى نفس الشاعر لذلك تترك هذه النفس باستجابتها بصمات الشاعر الشخصية على الأنماط العليا ، فى حين كان ” تشيز ” يرى أن الشعر والأسطورة يؤديان للإنسان الوظيفة التطهيرية نفسها (2) . ولعل هذا الاختلاف فى وجهات النظر والذى أدى بدوره إلى تباين التفسيرات هو ما عرض هذه المدرسة النقدية للهجوم فى ذلك الوقت .

وثمة اعتراض أساسى كما يقول ” سكوت ” يوجه إلى النقد النمطى هو أنه لا يؤدى إلى تقييم الأدب بقدر ما يؤدى إلى تفسير الإعجاب بأعمال معينة (3) ولعل هذا ما أرادته ” مسز لانجر ” حين رأت أن تطبيق هذه النظرية على الفن يجعله وظيفة تعبيرية فطرية قد أدى إلى عدم التمييز بين الفن الجيد والفن الردئ فوضعتهما هذه النظرية على قدم المساواة .(4)

وإذا كان تقييم الأدب والتمييز بين جيد الفن ورديئه يقوم على تحليل بنيته وتراكيبه وبيان النواحى الجمالية فيه فذلك مما يختلف فيه كل صاحب منهج عن الآخر ، لأنه يخضع قبل كل شئ لذوق الناقد وأحاسيسه وانطباعاته ————–

(1)                        Wimsatt, Brooks : The  literary Critcism. P. 709.

(2)  Ibid : p. 710- 715 .

(3)  Wilburs  Scott Op. Cit. P. 250.

(4)                                         Wimsatt, Brooks : Op. Cit. P. 714 .

الشخصية ، فيفقد النقد المعيار الحقيقى لتقييم الأدب ومن ثم معيار الجودة
والرداءة فى الفن . لقد أنكر نقاد الأسطورة وعلى رأسهم ” فراى ” أن يقوم النقد علماً حقيقياً يتبوأ مكانته بين العلوم الإنسانية باقتصاره على تحليل البنية واتكائه على تناول التركيب فقط فالبحث عن النمط الأعلى والأسطورة شئ جوهرى بالنسبة للأدب ، كما تحقق هذه العلاقة بين الشعر والأسطورة إمكانية تحويل النقد الأدبى إلى علم حقيقى .

بالإضافة إلى أن معرفة الأنماط البدائية كسب لعناصر ومواد نقدية جديدة تثرى العناصر النقدية القديمة وتتجه بها إلى الموضوعية ثم أن المنهج الأسطورى لا يبحث عن الأدب بقدر ما يبحث عن قيمة الأدب وسر خلوده وذلك ما لا يمكن أن يتحدد بالمعايير الأدبية وحدها .

وإذا كان ” رينيه ويليك ” يرى أن هذا المنهج ينظر إلى الشعر على أنه مجرد ناقل لعدد قليل من الأساطير كالعبور والتطهير وغيرها مما يشعر المرء ” باللا جدوى ” والملل عقب فك رموز كل عمل فنى على ضوء هذه المصطلحات (1) ، فليس ذلك صحيحاً لأن ذلك النقد لا يرجع بالضرورة إلى أساطير محددة فقد يكتشف أنماطاً ثقافية أساسية تتضمن طبيعة أسطورية أو شعائرية فى ثباتها داخل إطار ثقافة معينة من الثقافات مثل دراسات ” ليزلى فيدلر ” التى اكتشف فيها أنماطاً تنعكس فى الطقوس اللاشعورية للصغار والكبار فى بعض بيئات الولايات المتحدة .(2)

—————-

(1)                                       Rene  Wellek : Op. Cit. P. 361.

(2)                                               Wilburs Scott Op. Cit. P. 250 .

ويرى ” ويليك ” أيضاً أن من أخطاء هذا المنهج الواضح أنه يلغى
الحدود الفاصلة تماماً بين الفن والأسطورة بل يلغى أيضاً تلك الحدود بين الفن والدين .(1)

إن المنهج الأسطورى لم يلغ شيئاً من تلك الحدود ولم يثبته ، ولكنه اعتمد على نتائج الدراسات التى اهتمت برمزيات الإنسان البدائى وربطت بين الشعر والفنون بصفة عامة وبين الفكر الأسطورى ، كما رأت فى الأسطورة المرحلة البدائية الأولى للفكر الميتافيزيقى والتجسيد الأول للفكر الإنسانى الكلى ، ولا يبعد عن ذلك قول من يفسر أساطير القدماء بأنها
” أشعار الأولين وكهانتهم ” ، ومن ثم فالحدود الفاصلة بين هذه العناصر والظواهر الروحية الإنسانية فى المراحل البدائية من تطور الإنسان تكاد تنعدم تماماً .

4 – 5

أما الدراسات التى طبقت هذا المنهج على شعر ما قبل الإسلام – وقد عرضت لها من قبل – فإنها على الرغم من النتائج التى توصلت إليها فى محاولة استكناه مكنون هذا الشعر إلا أنها لم تخل فى معظمها من المآخذ المنهجية ، ولعل من أبرز هذه المآخذ التى يجب أن يكون النقد الموضوعى بمنجاة منها هو الانطباعية .

—————

(1)                                                                                                                                                                                                                                                     Rene Wellek : Op . Cit. P. 361.

وقد فرضت النزعة الانطباعية وجودها على دراسة الدكتور عبد الله الطيب منذ بداية حديثه عن الشاعر وقرض الشعر فالشاعر كما يقول
” يرزم فى أعماق فؤاده بالموسيقى والنغم والحركات والسكنات قبل أن تسمح نفسه إلى طريقة من الوزن والتقفية ….. تصحبه نشوة نفسية هى ضرب من الجذب الروحى الذى يعترى الكهان والعرافين وأمثالهم من أهل الوجدان والتطلع إلى الملأ الأعلى … والشاعر إذ يصعد نفسه إلى علياء الانفعال ويهمهم فى أعماقها بالنغم ملتمساً للتعبير ، يصير إلى شئ من حالة الجذب والهيام ، يرتفع به عن مطلق الفردية البشرية إلى شئ من البطولة .(1)

وفى حديثه عن منزلة الشاعر يقول ” أحسب الشاعر العربى كان أول أمره من قبيل الكهان ، … وقد كان الكهان يصطنعون لأنفسهم أحوالاً من الجذب ، ويلقون كلامهم فى أسجاع ورموز ، على طريقة لا أشك أنها كانت من طريقة الشعر فى أول أمره ، فهذا يقوى أن الشاعر كان أول أمره من قبيل الكهنة … ثم أخذ الشاعر يلتمس لنفسه متنفساً من غير طريق التكهن ، وأحسب أن الشاعر العربى فى قلقه عن مذهب الكهان أخذ يجنح إلى الفروسية ” .(2)

وهذه الآراء الانطباعية لا تقوى على النهوض لإثبات علاقة الشعر بالكهانة ، ولا تستطيع الفصل فى أولية الشعر أسجاعاً أو غيرها ، إذ إن هذه القضايا أعمق من مجرد الظنون والانطباعات الذاتية .

—————

(1)  الدكتور عبد الله الطيب . مرجع سابق . ص 844 .

(2)  المرجع نفسه ص 854 .

فإذا تعرضت الدراسة لتفسير رمز ما من رموز المرأة ، ظهرت هذه النزعة واضحة ، كقول الدكتور الطيب عند تناوله لبيت أبى داؤد الإيادى :

وسبتنى بنات نخلة لو كنت قريباً ألم بى إلمام

” وعسى أن تكون نخلة موضعاً كما يقول بعض الشراح … ولا أكاد أرتاب أن مراده من قوله : ” بنات نخلة ” التشبيه لهن بالنخلات اليوانع المتفرعات من نخلة شيخة أم لهن ، وعسى أن كان الموضع نخلة إن صح قول الشراح مكان عبادة لنخلة بعينها ، وعسى أن كانت لها بغايا كما لبيوت الأوثان ، فشبه الشاعر نساءه بهن ، كأن مراده أنهن من حسنهن يصلحن أن يكن من بغاياها ، وعسى أن يكون قد توهمهن بنات لنخلة كانت امرأة إلهة ثم صارت نخلة ذات قداسة ” .(1)

وهذه ” العسيات ” التى تكاد لا تخلو صفحة من صفحات البحث
منها ، فإذا توارت حلت محلها عبارات مثل : أحسب ، وغير بعيد ، وربما ، ولا أكاد أشك(2) ، تعكس الانطباعية القائمة على مجرد الوهم .

وتظهر هذه النزعة أيضاً فى معالجة صورة البرق حين يقول
( فالبرق مثلاً رمز من رموز الشوق الكبرى ، بعيد الغور شديد العمق ) ، وقوله ” والشعراء مما يتخذون البرق وسيلة للاتحاد مع الطبيعة ، وما
إلى نعت الطبيعة يريدون ، لكنما يريدون الإفصاح عن اللواعج التى فى
————-

(1)  المرجع نفسه : ص 885 .

(2)  راجع صفحات الكتاب : 885 – 886 – 888 – 891 – 893 – 896 – 903 – 905 – …. .

القلوب ” ، وعند وقوفه أمام أبيات لامرئ القيس يقول : ” قد يخيل إليك أن ابيات امرئ القيس إنما هى مجرد تصوير ونعت ليس إلا ولكن فيها ، كما ترى ، روحاً قوياً أخاذاً ، ومنشأ هذا الروح القوى الأخاذ هو من المعانى الكامنة تحت رمزية البرق ” .(1)

وعند تناوله لرمزية الحمامة تذهب به الظنون إلى أبعد مدى ، فالراجح عنده كما يقول أن زرقاء اليمامة كانت من آلهة العرب(2) ، ويقول بعد ذلك ” ولا أحسبنى أباعد إنى ظننت أن الحمامة التى أكملت عدد الحمام فى بيت النابغة هى زرقاء اليمامة نفسها ، وعسى أن يكون المعنى فى قوله
” إلى حمامتيه ” إلى حمامة نفسى ، أى إلى الحمامة التى هى أنا ، والحمامات بعد ذلك أسماء الله الحسنى ، والحمام الذى رأته الزرقاء ضرب من الآلهة أو قل الملائكة ، ولا يملك بعد هذه النتائج المنطقية إلا أن يتساءل : فهل لنا أن نفترض أن زرقاء اليمامة كانت هى الإله الذى كان فى الأرض ، إذ أخواته طائرات فى السماء .(3)

لقد أدت تلك النزعة الانطباعية فى الجزء الخاص برمزية النسيب عند الدكتور الطيب إلى الإغراق فى التوهم المؤدى إلى التناقض فى معظم الأحيان مع الإكثار من طرح تساؤلات أكثر إبعاداً وغرابة .

————-

(1)  المرجع نفسه : ص 903 .

(2)  المرجع نفسه : ص 916 .

(3)  المرجع نفسه : ص 919 .

إن الدراسة – والأمر يتعلق بارتباط النسيب بعقائد الجاهليين الأولين فى تقديس الأنثى وتأليه الخصوبة – لم تحاول مرة واحدة أن تستعين فى فروضها وتفسيراتها بأسطورة أو بقايا أسطورة سامية واحدة يمكن أن تشكل أصلاً لهذه العقائد كان على الدراسة أن تتبعه ، بل كانت الانطباعية هى
” حاق ” الدراسة ، وعسى أن كانت نظرات الدكتور الطيب تبدو مقنعة لصاحبها ، وعسى أن يكون قد تجاهل أساطير الساميين اكتفاء بالمرحلة الوثنية ، وعسى أن لم يكن تحت يديه منها قدر صالح يعينه على أن يقيم الدراسة على أساس عساه أكثر موضوعية ومنهجية غير الذى قامت عليه .

إن النزعة الانطباعية لا تنهض دعامة يقوم عليها عمل علمى ، فليس يكفى أن ” يشعر ” الباحث أن ملحمة جلجامش أكبر من كونها ملحمة شعرية بناها خيال أمة ، أو ” يشعر ” أنها كتاب مقدس اتخذه شعب ليدير حوله صلواته وعباداته(1) ، لكى يقيم على أساس ما ” يشعر ” دراسة تقول بعربية الملحمة ، ويمانية بطلها ، ووجودها مع بعض المكيين زمن البعثة ضمن أحاديث رستم واسفنديار ، وورودها فى القرآن الكريم بتمامها باسم قصة ذى القرنين .

ثم يحاول بعد ذلك أن يربط على هدى شعوره الانطباعى ، وأحكامه المسبقة الضيقة بين جلجامش وذى القرنين وموسى الخضر وهرقل وموسى بن ميشا ربطاً لا يحكمه منهج ولا يسنده منطق .

————

(1)    الدكتور محمد نجيب البهبيتى – مرجع سابق – ص 17 .

وحين تحاول الدراسة تلمس الصلات بين بعض صور الملحمة وبعض صور شعر ما قبل افسلام ، تبدو الانطباعية واضحة ، ” فالتشبيه الذى يستمسك به الشعر الجاهلى فى حديث الشعراء عن قوادهم وملوكهم ، ينبجس تحت عينيك من صميم الغيب ، وأنت ترى هذه الصورة بحيث لا تجد مناصاً من أن تعقد بينها وبين أصل التشبيه القديم علاقة حتمية لا تجد منها فكاكاً ” .(1)

وفى حديث الدكتور البهبيتى عن تشابه موقف جلجامش عند الحانة ، وموقف طرفة فى لهوه يقول كى يدعم هذا التشابه بين الصورتين ” يستيقظ بقلبك الموقف كله ، بكل عناصره من ألحان فى صدره الزهرة الباسمة … والكأس الشفيف ، والقلب المزدحم بالحزن ، والموت الغاشم يصارع الحياة المترقرقة بوله الحائر النبيل ” .(2)

ويكفى الدراسة شعور صاحبها بأن ” وجود الدمعة الحزينة الكاسفة الغزيرة ملمحاً ثابتاً أصيلاً فى الشعر الجاهلى ، دليل على أن بكاء جلجامش يمتد إلى هذا الشعر فأنت تجد فى شعر المهلهل التغلبى العراقى الوطن الذى يقوله فى بكاء أخيه مرآة مجلوة لبكاء جلجامش أخاه وشقيق نفسه (3) . ويكفى الباحث شعوره بضخامة السفينة الجبارة التى يصفها الشاعر وصفاً تفصيلياً

————-

(1)  نفسه : ص 178 .

(2)  نفسه : ص 283 .

(3)  نفسه : ص 317 .

ليقول إن الخلايا فى قول طرفة :

خلايا سفين بالنواصف من دد

هى غرف السفينة الواقعة فى طبقات مثل طبقات سفينة ” أوتونفستم ” التسع .

وتفرض النزعة الانطباعية نفسها على الرغم من محاولة الدكتور مصطفى ناصف الإفلات منها ، فقد قدمت دراسته الشعر الجاهلى ” نظرياً ” على أساس أنه ضرب من الطقوس والشعائر التى يؤديها المجتمع أو تصدر عن عقل جماعى ، ومن ثم فإن هذا الشعر يجب أن يفهم فى إطار اللا شعور الجمعى .

كان ذلك وعداً نظرياً لوحت به القراءة الثانية للشعر القديم ، حتى إذا بدأت الدراسة تطبيق أساسها النظرى الذى وعدت به ، جاءت القراءة الثانية قراءة انطباعية محضاً ، لم تفهم اللا شعور الجمعى فهماً صحيحاً ، وبناء على ذلك ، لم تبحث عن طقوس أو شعائر .

لقد بدا فن الأطلال فى القراءة الثانية ” أشبه ” بخلق مواثيق ” يبدو ” أن المجتمع أخذ يتعارف عليها ، والأماكن ” توحى ” بأن الشاعر مشغول بأن يستوعب فى ذاكرته الجزيرة كلها(1) والظعائن جزء من تأويل فكرة الطلل ، وما يراه الشاعر طللاً يصبح بعد قليل ظعائن تمشى وتتحرك وتلم بمواضع ————-

(1)  الدكتور مصطفى ناصف : قراءة ثانية . مرجع سابق . ص 55 .

معينة .. فالطلل ” أشبه ” بفكرة الأم الولود التى ينبثق عنها أبناء كثيرون ، فالأبقار والظعائن والظباء أسرة واحدة ، ولكن لا أحد يدرى تماماً هل يعرف هؤلاء الأبناء بعضهم بعضاً(1) ؟

وصورة النخيل فى القراءة الثانية تدل على نشاط عقل الشاعر فى عالم خيالى ” أشبه ” بالأمانى أو رايات النصر التى تلتبس حقاً بالنخل الذى يتوارد على ذهنه دون سأم … والهوادج مغطاة بثياب جديدة حسنة المنظر ، جيدة النقش ، ولكنها حجب تحول دون التطلع إلى الظعائن ….. فأصبحن أقرب إلى الأسرار التى تتجاذب العين أو العقل .(2)

والفرس ” كأنما ” كان مرسل الغيث الذى يتوقعه الشاعر الجاهلى دون قنوط ، و”يبدو ” الفرس ” كأنه ” نداء المجتمع كله كى يؤدى رسالة هدى وإنقاذ(3) أما الناقة فهى ” أشبه ” الأشياء بالأمومة القوية ، ولذلك اقترنت بالنخلة فى أذهان العرب ، وهى ” أشبه ” ما تكون فى بنيتها بالأم الكبرى التى تحتوى فى داخلها كل ما عداها(4) ، أما صورها عند طرفة ” فقد توحى بأن طرفة يعانى من الخوف ، وأن الخوف ينتهى إلى طلب الاحتماء والاختباء وحينما نرى هذه القوى الكثيرة مجتمعة فى الناقة ” نكاد ” نقول إن منطق الشاعر هو أنه لا ملجأ من الناقة إلا إليها ” .(5)

————–

(1)  المرجع نفسه : ص 64 .

(2)  المرجع نفسه : ص 70 .

(3)  المرجع نفسه : ص 86 .

(4)  المرجع نفسه : ص 102 .

(5)  المرجع نفسه : ص 163 .

أما المطر الذى شغل به امرؤ القيس فقد كان ” أشبه ” ببحث وجدانى صعب قاس يحتاج إلى تضحيات وفداء وعذاب .(1)

والنعمان ابن القصيدة عند النابغة ” أقرب ” إلى الواقع الثائر المضطرب الذى لا سبيل إلى تهذيبه دون أن يمنح الإبل الكريمة أو المطايا الحسنة .(2)

ومشهد العراك المشهور بين الثور والكلاب ” أهو بعيد عن بعض حقائق المجتمع الجاهلى ؟ هل يخلو من النذر ؟ … والصياد هنا صورة الرجل الأثر أو صورة التعصب الذى يحرك عوامل الفرقة والتناحر فيذوب المجتمع …. ولا أشك فى أن قصة الثور والكلاب أعانت المجتمع من حيث لا يدرى على أن يشبع بعض حاجياته العاطفية من الحرب بطريقة خيالية وهمية .(3)

” ولا أظن أن إحياء القراءة هو أن تذكر انطباعاتك الخاصة ووقع الكلمات والعبارات على وجدان فردى ” كما يقول الدكتور مصطفى ناصف عند وقوفه للبحث عند المبدأ العظيم فى قصيدة الحادرة ، وعلى الرغم من وعى الدكتور ناصف بذلك فقد جاءت القراءة الثانية انطباعات خاصة ونظرات تأثرية فى معظمها .

————-

(1)  المرجع نفسه : ص 129 .

(2)  المرجع نفسه : ص 184 .

(3)  المرجع نفسه : ص 181 .

وعلى أساس من نظرة انطباعية أيضاً يحاول الدكتور نصرت
عبد الرحمن أن يحدد مدلولاً لأسماء النساء فى الشعر الجاهلى مبرراً لنظرته هذه بتكرار بعض الأسماء عند جميع الشعراء وبتكرار الصفات التى يسبغها الشعراء على كل واحدة من النساء ، حيث يرى أن اسماء النساء المصدرة بأم ، كأم أوفى ، وأم عمرو ، وأم معبد ، وأم جندب تبدو رموزاً لسيدة الحكمة ، وليلى تبدو مثل ديانا ربة الصيد عند اليونان بينما تبدو سلمى رمزاً للحب العذرى والعفة ، تذكر ” بكيوبيد ” كما تبدو سعاد رمزاً للربيع ، وأسماء رمزاً للمراعى أو لحياة الرعى ، وأميمة رمزاً للأم الحانية
العطوف، وخولة رمزاً لسيدة الزرع ، وهرة رمزاً للحياة اللاهية والجنس.(1)

لقد ابتغى الدكتور نصرت أن يقول إن وراء كل واحدة منهن رمزاً ، فالمرأة أكثر من أن تكون لحماً ودماً وعظاماً ، وذلك صحيح من هذا الوجه فقط ، لأن أسماء النساء الواردة فى الشعر لا تجرى على حقيقتها ، ولكن المغامرة بتحديد دلالة هذه الأسماء على غير سند من أسطورة ، أو دعم من كشف إنما هى مغامرة غير ذات جدوى فى نهاية الأمر ، بالإضافة إلى أن الدكتور نصرت لم يستقرئ الشعر العربى استقراءً تاماً يؤيد ما يذهب إليه .

بل إن النماذج القليلة التى أوردها هو نفسه كانت تخرج أحياناً عما أراد ، ومثال ذلك أم معبد فى قصيدة زهير :

غشـيت الديار بالبقيع فثهمـد دوارس قـد أقوين من أم معبد

————-

(1)  الدكتور نصرت عبد الرحمن : السابق ص 150 وما بعدها .

وأم جندب فى قصيدة امرئ القيس :

خليلى مرا بى على أم جنـدب نقضى لبـانات الفـؤاد المعذب

حيث يرى الدكتور نصرت أن موضوعهما ليس من الموضوعات الخطيرة التى تحتاج إلى خطاب سيدة الحكمة ، ومن ثم راح يلتمس تبريراً لورودهما يكون بسبب مما ذهب إليه ، ليحافظ على استقامة ذلك واطراده ، ولكن ما ذهب إليه لا يمكن أن يستقيم أو يطرد انطباعاً ورؤى ذاتية حتى يظهر ما يؤيده أو يؤيد غيره من كشوف تاريخية ، أو بقايا أسطورية .

وتتسرب هذه النزعة الانطباعية إلى دراسة الدكتور على البطل فعند حديثه عن المرأة المثال ، يعرض صورتين لها إحداهما عند طرفة من
معلقته :

وفى الحى أحوى ينفض المرد شادن مظاهر سمطى لؤلؤ وزبرجـد
خـذول تـراعى  ربربـاً بخميـلة تناول أطراف البريـر وترتدى
وتبسـم  عن ألمى كـأن منــوراً تخلل حر الرمل دعص له ندى
سـقته إيـاه الشـمس إلا  لثــاته أسـف ولم تكـدم عليه بأثمـد
ووجه – كأن الشمس ألقت رداءهـا عليه – نقى اللـون لم يتخـدد

فيرى أن طرفة قد أخرج صورة المرأة إخراجاً فنياً جديداً يعتمد على التضاد اللونى لإبراز صفات المحبوبة أو عناصر صورتها ، وقد أدى امتزاج النظائر إلى إشاعة حرارة الحياة وحركتها فى الصورة .

والثانية عند زهير  :

تنازعها المها – شبهاً – ودر الــ بحور وشاكعت فيها الظبــاء
فأمــا مـا فويـق العقـد منهـا فمـن أدماء  مرتعهـا خـلاء
وأمـا المقلتـان ، فمن مهــاة ، وللدر : الملاحــة  والنقـاء

حيث يرى أن زهيراً فصل بين هذه العناصر فتقطعت أوصال الصورة فأفقدها زهير ميزة الحرارة والحياة .

ويعلل الدكتور على البطل لذلك بأن ما لطرفة من الشباب فى
تمرده ، وما اتصف به زهير الشيخ من أناة وتلبث ، كان له أثر فى اتصاف صورة الأول بالحركة والحياة ، وما عاب صورة الثانى من تقسيم عقلى بارد(1) ، فهل تطرد العلاقة بين ما لطرفة من الشباب وحيوية صوره ، وبين ما لزهير الشيخ من أناة وبرود صوره ؟ وهل نقول تبعاً لذلك إن الصورة الثالثة التى أوردها الدكتور على البطل للأعشى يقف موقفاً وسطاً بين موقفى زهير والأعشى ، جاءت هى أيضاً وسطاً بين الحيوية والبرود لأن الأعشى فى مرحلة وسط بين الشباب والشيخوخة ؟

ويقدم الدكتور مصطفى الشورى فى حديثه عن حتمية الموت نصوصاً بشرحها شروحاً انطباعية تكاد تكون قطعاً من الوعظ عن الردى والموت الذى جاء فأفسد كل صالح وأزال كل نعيم .(2) ثم يحشد طائفة من خطب السجاع . والخطباء مثل قس بن ساعدة وجعاد بن ألفح ، وأكثم بن
————-

(1)  الدكتور على البطل : المرجع السابق . ص 72 .

(2)  الدكتور مصطفى الشورى : المرجع السابق النصوص وشروحها ص 30 : 43 .

صيفى ، ليحكى عن أصحابها ويقوم بعرضها وتفسيرها ليعترف فى نهايتها بأنها ” كانت خلاصة تجربة العرب فى الحياة والموت برغم النغمة المتشائمة فيها ” .(1) ويعرض نصوصاً فى تأبين الموتى يقسمها بحسب صفاتهم كالشجاعة والكرم ، والوفاء والشرف ، وصفات أخرى ويتولى شرح هذه النصوص .(2)

ويتناول الدكتور الشورى قصص العرب وأيامهم وأشعار هذه الأيام فى الموت والرثاء ويحاول من منطلق انطباعى ذاتى أن يعقد صلات وروابط بين بعض أيام العرب وملحمة جلجامش ، فالسيد الطسمى عمليق بن سام بن نوح فى ملحمة اليمامة يشبه جلجامش غير أن ملحمة اليمامة عمدت إلى الإسراع فقتلت الملك ، وغضبت الآلهة فمحقت القبيلتين كما يقول الدكتور الشورى ، بخلاف جلجامش الذى استطاع أن ينتصر مبدئياً على أنجيدو انتصاراً جسدياً ، ولكنه انهزم روحياً ، فأقلع عن عادته ، لكن لحقته النتائج المؤجلة نفسها ، محقوا جميعاً ولم يحصلوا على الخلود ، وهذه النتائج جميعاً تنطبق على أيام الأوس والخزرج أيضاً .(3)

ويأخذ الدكتور مصطفى الشورى بما توهمه الدكتور نصرت
عبد الرحمن عن مدلولات أسماء النساء فى القصيدة الجاهلية ، ويشير إلى صاحبه ، وقليلاً ما يفعل ، حين يعرض لقصيدة يقول فى التعليق عليها ” إن الشاعر أبى إلا أن يجعلها نسيجاً واحداً من الحزن العميث ، لأن الشخص
————-

(1)  نفسه : ص 72 – 82 .

(2)  نفسه : 164 : 187 .

(3)  المرجع نفسه : ص 94 .

الذى يرثيه فيها كان يملأ حياته فى أكثر مرحلة من مراحلها ، وكان حبه له حقيقياً صافياً ، ومن ثم جاء حزنه عليه حقيقياً صافياً أيضاً ، والقصيدة – كما يقول – الدكتور الشورى تسعة وثلاثون بيتاً بدأها بتشبيب بأم عمرو تشبيباً كذلك الذى نراه مرصوداً فى كل قصيدة تتضمن أمراً جللاً ويرى أن لا عجب فقد ظهر فى بعض الدراسات الحديثة أن أية امرأة تذكر بكنيتها فى عمل شعرى كبير كأم عمرو وأم أوفى وأم معبد وأم جندب تؤيد ما نذهب إليه ” .(1)

ما هذا الذى ذهب إليه الدكتور الشورى ؟

لم يذهب إلى شئ سوى أنه ارتضى رأياً انطباعياً بين الخلط ، للدكتور نصرت عبد الرحمن كى يطعم به دراسة فنية فى آخر كتابه ، ليست أكير من نصوص تتبعها شروح ، تحفل الشروح بالانطباعات عن الرؤية الفاجعة والصورة الباكية ، والانفعالات المحتدمة والحالات النفسية المعقدة وعمليات التنسيق البارعة التى تتفق مع حالات الأسى ، والإيقاعات الرصينة الهادئة …. إلى آخر هذه النظرات التى تعود بالنقد الأدبى إلى ما يحاول أن يتخلص فيه من عموميات وأحكام مطلقة .

ولقد وقعت الدراسات النقدية التى اعتمدت على المنهج الأسطورى فى تفسير شعر ما قبل الإسلام ، فى شرك الآراء الانطباعية بدرجة تقل أو تكثر ، بحسب نزعة صاحب كل منها ومنهجه وأدواته ، كما أدى فى بعضها إلى إجراء قياسات خاطئة لا تقوم على أساس ، أو وضع فروض ظنية تغرق

——————-

(1)    المرجع نفسه : ص 219 .

فى الإبهام والتهويم ، وكان ذلك نتيجة طبيعية لتجاهل بعض هذه الدراسات للتراث السامى القديم ، وحصر مجالها فى المرحلة الوثنية قبل الإسلام ، ويمثل ذلك المأخذ المنهجى التالى من المآخذ التى انزلقت إليها هذه
الدراسات .

إن دراسة تبحث عن ” ارتباط النسيب بعقائد الجاهليين الأولين فى تقديس الأنثى وتأليه الخصوبة ” لم تحاول مرة واحدة أن تستعين فى فروضها وتفسيراتها بأسطورة سامية قديمة يمكن أن تشكل أصلاً لهذه العقائد ، كان على الدراسة أن تتتبعه ، فإذا أرادت الدراسة أن تعضد تفسيراً أو تشد أزر رأى لم تلجأ إلا إلى بعض أخبار ابن إسحاق ، وتفسيرات الزمخشرى وبعض القصص القديمة مثل قصة أساف ونائلة وعمرو بن يربوع والسعلاة وغير ذلك من القصص غير الموثق .

لقد كانت الدراسة تكتفى بالقول ” إن كثيراً من الديانات الأوليات تفعل نحواً من هذا ” ، جاء ذلك فى معرض الحديث عن تأليه العرب للمرأة من أجل الخصوبة وعند الحديث عن السفينة والبحر وعبادة الشمس والسحاب وغير ذلك ، وقد كان يمكن للدراسة أن تقيم أساس عبادة الخصوبة على بناء أشد وثاقة وتوثيقاً بدلاً من القول بأن ط المرأة كانت إله العرب المقدم فى باب العبادة الوثنية ألهوها لأجل الخصوبة ” فالعبارة من باب ما يلقى على عواهنه ، وإلا فأى عرب هؤلاء ؟ إذا كانوا عرب ما قبل الإسلام فما تعرف الفترة القريبة من الإسلام عبادة المرأة ، وأية خصوبة وعرب اللات والعزى الذين تقف عند حدودهم الدراسة لم يعرفوا زراعة أو أرضاً ؟ فالأمر إذن أشد قدماً من مرحلة الوثنية ، لمعرفة أصل عبادة الخصوبة وصلة المرأة بهذه العبادة .

وتذهب الدراسة إلى أن الأصنام التى يعبدها الجاهليون كانت فى أول أمرها متقنة تصور ما يؤلهونه من رجال ونساء وحيوان ، ولما صارت هذه الأصنام إلى حيث البداوة والصحراء الجدبة ، اعتيض عن إتقانها بمجرد الرمز لها ، فليست لها صور معينة حيث يذكر ابن اسحق عن اللات ” إنه لم يكن لها وجه امرأة ” ولا صلة بين البداوة والصحراء المجدبة وبين مرمح وجه الصنم المعبود وصورته ، ولو حاولت الدراسة الرجوع إلى الكشوف الآثارية ” الأركيولوجية ” لتوصلت إلى أصل هذه التماثيل التى تعود إلى عصور ما قبل التاريخ وهى التماثيل التى سميت ” فينوسات لوسييل ” ، ولأمكن إعطاء صورة واضحة عن هذه العقائد والعبادات التى تضرب بجذورها فى أعماق الفكر الإنسانى ، من قبل ابن إسحق واللات والعزى .

وتبعاً للمرحلة التى حبس الدكتور الطيب دراسته فيها يرى أن الناقة والسفينة مما ألهته العرب مستدلاً على ذلك بناقة صالح وسفينة نوح وما تعرف الأمم السابقة عبادة ناقة صالح تأليه سفينة نوح إنما هى معجزات لا تحمل قيمة فى ذاتها ، إذ لو كان الأمر كذلك لرأينا عبادة عصا موسى وغيرها من معجزات الرسل السابقين ، فتلك العبادات والطقوس التى ترتبط بالناقة والسفينة وغيرها من رموز المرأة ، يجب البحث عنها من وجوه أخرى بالعودة إلى المنابع والبدايات .

أما دراسة الدكتور البهبيتى فقد بدأت بلا توثيق حقيقى فالغرض الذى قبله من أن العربية لغة آدم وأن ما كان من لغات بعد ذلك إنما هى عربية انحرفت انحرافات جزئية عن منطوقها الأصلى ، والذى استند فيه على أقوال طائفة بعينها من العلماء ، اختارها تؤيد وجهة نظره ، على الرغم من وجود نقول عن القدماء تناقضها ، يرفضه ما نراه من تعدد اللغات واختلافها اختلافاً بيناً ، اللهم إلا إذا كانت هذه اللغات أيضاً لغات عربية انحرفت عن منطوقها الأصلى .

ويستند الدكتور البهبيتى إلى نص ابن رشيق عن المعلقات ، والمعلقات لم يرد لها ذكر قبل العقد الفريد فلم يذكرها الجاحظ أو ابن قتيبة أو ابن سلام أو غيرهم ، بل لقد أنكرها بعضهم كابن النحاس معنى وتاريخاً وتعليقاً ، كما يزعم أن أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار قد اشتملت على قصة  جلجامش وبين هذه العصور آماد بعيدة .

وعلى الرغم من أن دراسة الدكتور مصطفى ناصف تنطلق نظرياً – كما سبق – من مفهوم ” يونج ” للاشعور الجمعى ، إلا أن الدراسة تبتسر هذا المفهوم فتطبق هذا المفهوم فى إطاره الخارجى فقط أما ارتباط اللاشعور الجمعى بالأنماط العليا الميثودينية والتى تشكل محتوى اللاشعور الجمعى فذلك ما لم تحاول الدراسة أن تصل إليه .

يتنبه الدكتور مصطفى ناصف إلى الطابع الأسطورى لفرس امرئ القيس ، ويرى أن الصراع بين الثور والكلاب كان جزءاً من طقوس جليلة مقدسة ، ولا يشك فى أن الناقة – إذا نظرنا فى أساطير العرب فى العصر الجاهلى – لم تكن مجرد حيوان أى أنها كانت حيواناً مقدساً فى بعض الأحيان ، ولكن ذلك ليس كل عطاء اللا شعور الجمعى ، ذلك أنه لا ينفصل من ناحية عن العقائد أو الطقوس البدائية كما لا ينفصل عن الأساطير من ناحية أخرى .

لقد كان يمكن لدراسة الدكتور مصطفى أن تصحح بعض الصور التى تناولها إسقاطات روحية وعاطفية لو اهتم بالعودة إلى الأساطير السامية القديمة ، كما يبدو فى تناوله لصورة الفرس حيث جعله رمزاً للأبوة أو الرجولة ، وذلك يخالف الصورة التى جاء عليها الفرس فى أساطير الساميين القدماء حيث يمثل رمزاً للشمس المؤنثة ، وعلى ذلك فليس للفرس صلة بالرجولة والأبوة .

وقد عنيت دراسة الدكتور عبد الجبار المطلبى بأمر توثيق صورة الثور حيث عادت الدراسة إلى تتبع مظاهر عبادة الثور إلهاً للخصب والقوة والحياة عند الشعوب السامية ، وفى الأساطير القديمة ، فعاد إلى السومريين حيث الثور ” انليل ” رمز القوة والخصب ، ومن اتحاده بالبقرة فاضت ضفاف دجلة والفرات بالخصب ، وإلى البابليين حيث اتخذ ” مردوخ ” رموز ” انليل ” ، وحيث ” ملحمة جلجامش ” ، وإلى آشور التى تعبد الإله الثور ، وإلى الحثيين حيث الثور إله المطر والبرق والعواصف الرعدية .

كما يعود الدكتور المطلبى إلى ما يرمز إليه الثور عند الساميين الشماليين الكنعانيين والفينيقيين ، يستعين فى ذلك كله بالأساطير ” والرقم الأغاريتية ” وكتب الديانات ، ولا يكتفى بذلك بل يحاول بحث تأثر العرب فى جزيرتهم بهذه العبادات ، فقد اتخذ العرب الجنوبيون من الثور رمزاً للقمر ، وكان ” المقه ” إله السبئيين الذى تقدم إليه الثيران ، وفى شمال شبه الجزيرة عبدت تدمر ” بعل ” ، وكان ” ود ” من آلهة ثمود ولحيان ويرمز إليه بالثور ، ليخلص بعد ذلك فى توثيق محكم إلى القول بتأثر العرب داخل جزيرتهم بعبادة الساميين القدماء وآلهتهم .

وفى نهاية مطافه يرى الارتباط الواضح بين القصائد التى تسرد قصة الثور وما تذكره فى عناصر القصة من مطر وغيره ، وبين ما يرمز إليه الثور ، غير أن الدراسة قد اهتمت برمزية الثور نفسه ، وأغفلت إلى حد كبير عناصر القصة التى تكررت فى القصيدة الجاهلية ، بدءاً من شكله وصفات جسده ، ضلاله عن صوار ، التجائه إلى شجرة الأرطى ، التحامه عند الصباح فى صراع الصائد وكلابه .

أما دراسة الدكتور نصرت عبد الرحمن فقد استساغ صاحبها منذ أول الأمر أن يقوم بها فى ضوء الدين الوثنى ، على الرغم من تناقض ذلك مع ما اعتمده من إطار نظرى يتمثل فى مفهوم اللا شعور الجمعى .

لذلك جاءت الدراسة فى معظمها بحاجة إلى التوثيق العلمى القائم على الأساطير والكشوف ، تساؤلات يطرحها الدكتور نصرت : هل يستطيع الشاعر الوثنى أن يشبه المرأة بما يعبد إلا إذا كانت المرأة فى شعره غير ما نظن ؟

والإجابة على تساؤله بالنفى ولكن الأمر وما زال غامضاً ، فماذا عن المرأة نفسها ؟ وكيف بلغ بها إلى مرحلة التقديس ؟ ومن أى الديانات انحدر إليه هذا التقديس ؟

تساؤلات من هذا النوع يمكن أن تطرح إجابة على تساؤلات الدكتور نصرت ، لأنه وقف بدراسته عند المرحلة الوثنية .

أيمكن أن تكون المرأة فى الشعر الجاهلى رمزاً للشمس ؟

والإجابة بالإثبات ولكن ما ترجح عنده من هذه الصلة ما زال فى حاجة إلى إثبات ، فما الصلة بين المرأة والشمس ؟ وكيف تطورت ؟ ومن أين جاءت إلى ذهن الإنسان ؟ ويربط بين رحلة الشاعر بما فيها من تشبيه الناقة بالظليم والثور الوحشى وحمار الوحش والكلاب وغيرها ، وبين الكواكب ، فالناقة العنتريس فى السماء ، وللثور نظير هناك ، وللكلاب ما يماثلها من مجموعات النجوم ، والفرس رمز الشمس موجود فى السماء ويستنتج قياساً أن حمار الوحش إذن يمكن أن يكون له مثيل فى السماء .

وهذا القول بالمعادل الفلكى لا يمثل تفسيراً مقنعاً من ناحية ، كما أن معبودات الإنسان من ناحية أخرى إنما بدأت على الأرض حين واجه الكون قوى حية وذواتاً ثم رفع هذه المعبودات إلى السماء لترمز إلى معبوداته السماوية وليس العكس .

وقد عنيت دراسة الدكتور على البطل بمصادر التوثيق فى دراسة الصورة ، ومن أهم هذه المصادر :

-        الكشوف الأركيولوجية ( الآثارية )

وتتمثل فى حفريات العصر الحجرى ، وتماثيل ما قبل التاريخ التى تسمى فى الإبهام والتهويم ، وكان ذلك نتيجة طبيعية لتجاهل بعض هذه الدراسات للتراث السامى القديم ، وحصر مجالها فى المرحلة الوثنية قبل الإسلام ، ويمثل ذلك المأخذ المنهجى التالى من المآخذ التى انزلقت إليها هذه
الدراسات .

إن دراسة تبحث عن ” ارتباط النسيب بعقائد الجاهليين الأولين فى تقديس الأنثى وتأليه الخصوبة ” لم تحاول مرة واحدة أن تستعين فى فروضها وتفسيراتها بأسطورة سامية قديمة يمكن أن تشكل أصلاً لهذه العقائد ، كان على الدراسة أن تتتبعه ، فإذا أرادت الدراسة أن تعضد تفسيراً أو تشد أزر رأى لم تلجأ إلا إلى بعض أخبار ابن إسحاق ، وتفسيرات الزمخشرى وبعض القصص القديمة مثل قصة أساف ونائلة وعمرو بن يربوع والسعلاة وغير ذلك من القصص غير الموثق .

لقد كانت الدراسة تكتفى بالقول ” إن كثيراً من الديانات الأوليات تفعل نحواً من هذا ” ، جاء ذلك فى معرض الحديث عن تأليه العرب للمرأة من أجل الخصوبة وعند الحديث عن السفينة والبحر وعبادة الشمس والسحاب وغير ذلك ، وقد كان يمكن للدراسة أن تقيم أساس عبادة الخصوبة على بناء أشد وثاقة وتوثيقاً بدلاً من القول بأن ط المرأة كانت إله العرب المقدم فى باب العبادة الوثنية ألهوها لأجل الخصوبة ” فالعبارة من باب ما يلقى على عواهنه ، وإلا فأى عرب هؤلاء ؟ إذا كانوا عرب ما قبل الإسلام فما تعرف الفترة القريبة من الإسلام عبادة المرأة ، وأية خصوبة وعرب اللات والعزى الذين تقف عند حدودهم الدراسة لم يعرفوا زراعة أو أرضاً ؟ فالأمر إذن أشد قدماً من مرحلة الوثنية ، لمعرفة أصل عبادة الخصوبة وصلة المرأة بهذه العبادة .

وتذهب الدراسة إلى أن الأصنام التى يعبدها الجاهليون كانت فى أول أمرها متقنة تصور ما يؤلهونه من رجال ونساء وحيوان ، ولما صارت هذه الأصنام إلى حيث البداوة والصحراء الجدبة ، اعتيض عن إتقانها بمجرد الرمز لها ، فليست لها صور معينة حيث يذكر ابن اسحق عن اللات ” إنه لم يكن لها وجه امرأة ” ولا صلة بين البداوة والصحراء المجدبة وبين مرمح وجه الصنم المعبود وصورته ، ولو حاولت الدراسة الرجوع إلى الكشوف الآثارية ” الأركيولوجية ” لتوصلت إلى أصل هذه التماثيل التى تعود إلى عصور ما قبل التاريخ وهى التماثيل التى سميت ” فينوسات لوسييل ” ، ولأمكن إعطاء صورة واضحة عن هذه العقائد والعبادات التى تضرب بجذورها فى أعماق الفكر الإنسانى ، من قبل ابن إسحق واللات والعزى .

وتبعاً للمرحلة التى حبس الدكتور الطيب دراسته فيها يرى أن الناقة والسفينة مما ألهته العرب مستدلاً على ذلك بناقة صالح وسفينة نوح وما تعرف الأمم السابقة عبادة ناقة صالح تأليه سفينة نوح إنما هى معجزات لا تحمل قيمة فى ذاتها ، إذ لو كان الأمر كذلك لرأينا عبادة عصا موسى وغيرها من معجزات الرسل السابقين ، فتلك العبادات والطقوس التى ترتبط بالناقة والسفينة وغيرها من رموز المرأة ، يجب البحث عنها من وجوه أخرى بالعودة إلى المنابع والبدايات .

أما دراسة الدكتور البهبيتى فقد بدأت بلا توثيق حقيقى فالغرض الذى قبله من أن العربية لغة آدم وأن ما كان من لغات بعد ذلك إنما هى عربية انحرفت انحرافات جزئية عن منطوقها الأصلى ، والذى استند فيه على أقوال طائفة بعينها من العلماء ، اختارها تؤيد وجهة نظره ، على الرغم من وجود نقول عن القدماء تناقضها ، يرفضه ما نراه من تعدد اللغات واختلافها اختلافاً بيناً ، اللهم إلا إذا كانت هذه اللغات أيضاً لغات عربية انحرفت عن منطوقها الأصلى .

ويستند الدكتور البهبيتى إلى نص ابن رشيق عن المعلقات ، والمعلقات لم يرد لها ذكر قبل العقد الفريد فلم يذكرها الجاحظ أو ابن قتيبة أو ابن سلام أو غيرهم ، بل لقد أنكرها بعضهم كابن النحاس معنى وتاريخاً وتعليقاً ، كما يزعم أن أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار قد اشتملت على قصة  جلجامش وبين هذه العصور آماد بعيدة .

وعلى الرغم من أن دراسة الدكتور مصطفى ناصف تنطلق نظرياً – كما سبق – من مفهوم ” يونج ” للاشعور الجمعى ، إلا أن الدراسة تبتسر هذا المفهوم فتطبق هذا المفهوم فى إطاره الخارجى فقط أما ارتباط اللاشعور الجمعى بالأنماط العليا الميثودينية والتى تشكل محتوى اللاشعور الجمعى فذلك ما لم تحاول الدراسة أن تصل إليه .

يتنبه الدكتور مصطفى ناصف إلى الطابع الأسطورى لفرس امرئ القيس ، ويرى أن الصراع بين الثور والكلاب كان جزءاً من طقوس جليلة مقدسة ، ولا يشك فى أن الناقة – إذا نظرنا فى أساطير العرب فى العصر الجاهلى – لم تكن مجرد حيوان أى أنها كانت حيواناً مقدساً فى بعض الأحيان ، ولكن ذلك ليس كل عطاء اللا شعور الجمعى ، ذلك أنه لا ينفصل من ناحية عن العقائد أو الطقوس البدائية كما لا ينفصل عن الأساطير من ناحية أخرى .

لقد كان يمكن لدراسة الدكتور مصطفى أن تصحح بعض الصور التى تناولها إسقاطات روحية وعاطفية لو اهتم بالعودة إلى الأساطير السامية القديمة ، كما يبدو فى تناوله لصورة الفرس حيث جعله رمزاً للأبوة أو الرجولة ، وذلك يخالف الصورة التى جاء عليها الفرس فى أساطير الساميين القدماء حيث يمثل رمزاً للشمس المؤنثة ، وعلى ذلك فليس للفرس صلة بالرجولة والأبوة .

وقد عنيت دراسة الدكتور عبد الجبار المطلبى بأمر توثيق صورة الثور حيث عادت الدراسة إلى تتبع مظاهر عبادة الثور إلهاً للخصب والقوة والحياة عند الشعوب السامية ، وفى الأساطير القديمة ، فعاد إلى السومريين حيث الثور ” انليل ” رمز القوة والخصب ، ومن اتحاده بالبقرة فاضت ضفاف دجلة والفرات بالخصب ، وإلى البابليين حيث اتخذ ” مردوخ ” رموز ” انليل ” ، وحيث ” ملحمة جلجامش ” ، وإلى آشور التى تعبد الإله الثور ، وإلى الحثيين حيث الثور إله المطر والبرق والعواصف الرعدية .

كما يعود الدكتور المطلبى إلى ما يرمز إليه الثور عند الساميين الشماليين الكنعانيين والفينيقيين ، يستعين فى ذلك كله بالأساطير ” والرقم الأغاريتية ” وكتب الديانات ، ولا يكتفى بذلك بل يحاول بحث تأثر العرب فى جزيرتهم بهذه العبادات ، فقد اتخذ العرب الجنوبيون من الثور رمزاً للقمر ، وكان ” المقه ” إله السبئيين الذى تقدم إليه الثيران ، وفى شمال شبه الجزيرة عبدت تدمر ” بعل ” ، وكان ” ود ” من آلهة ثمود ولحيان ويرمز إليه بالثور ، ليخلص بعد ذلك فى توثيق محكم إلى القول بتأثر العرب داخل جزيرتهم بعبادة الساميين القدماء وآلهتهم .

وفى نهاية مطافه يرى الارتباط الواضح بين القصائد التى تسرد قصة الثور وما تذكره فى عناصر القصة من مطر وغيره ، وبين ما يرمز إليه الثور ، غير أن الدراسة قد اهتمت برمزية الثور نفسه ، وأغفلت إلى حد كبير عناصر القصة التى تكررت فى القصيدة الجاهلية ، بدءاً من شكله وصفات جسده ، ضلاله عن صوار ، التجائه إلى شجرة الأرطى ، التحامه عند الصباح فى صراع الصائد وكلابه .

أما دراسة الدكتور نصرت عبد الرحمن فقد استساغ صاحبها منذ أول الأمر أن يقوم بها فى ضوء الدين الوثنى ، على الرغم من تناقض ذلك مع ما اعتمده من إطار نظرى يتمثل فى مفهوم اللا شعور الجمعى .

لذلك جاءت الدراسة فى معظمها بحاجة إلى التوثيق العلمى القائم على الأساطير والكشوف ، تساؤلات يطرحها الدكتور نصرت : هل يستطيع الشاعر الوثنى أن يشبه المرأة بما يعبد إلا إذا كانت المرأة فى شعره غير ما نظن ؟

والإجابة على تساؤله بالنفى ولكن الأمر وما زال غامضاً ، فماذا عن المرأة نفسها ؟ وكيف بلغ بها إلى مرحلة التقديس ؟ ومن أى الديانات انحدر إليه هذا التقديس ؟

تساؤلات من هذا النوع يمكن أن تطرح إجابة على تساؤلات الدكتور نصرت ، لأنه وقف بدراسته عند المرحلة الوثنية .

أيمكن أن تكون المرأة فى الشعر الجاهلى رمزاً للشمس ؟

والإجابة بالإثبات ولكن ما ترجح عنده من هذه الصلة ما زال فى حاجة إلى إثبات ، فما الصلة بين المرأة والشمس ؟ وكيف تطورت ؟ ومن أين جاءت إلى ذهن الإنسان ؟ ويربط بين رحلة الشاعر بما فيها من تشبيه الناقة بالظليم والثور الوحشى وحمار الوحش والكلاب وغيرها ، وبين الكواكب ، فالناقة العنتريس فى السماء ، وللثور نظير هناك ، وللكلاب ما يماثلها من مجموعات النجوم ، والفرس رمز الشمس موجود فى السماء ويستنتج قياساً أن حمار الوحش إذن يمكن أن يكون له مثيل فى السماء .

وهذا القول بالمعادل الفلكى لا يمثل تفسيراً مقنعاً من ناحية ، كما أن معبودات الإنسان من ناحية أخرى إنما بدأت على الأرض حين واجه الكون قوى حية وذواتاً ثم رفع هذه المعبودات إلى السماء لترمز إلى معبوداته السماوية وليس العكس .

وقد عنيت دراسة الدكتور على البطل بمصادر التوثيق فى دراسة الصورة ، ومن أهم هذه المصادر :

-        الكشوف الأركيولوجية ( الآثارية )

وتتمثل فى حفريات العصر الحجرى ، وتماثيل ما قبل التاريخ التى تسمى ” بفينوسات لوسييل ” وهى تعطى تصوراً دينياً لأهل العصور القديمة عن المرأة وعلاقتها بالخصوبة واستحضار صورتها بوصفها أماً بالإضافة إلى النقوش التى كشفت فى مختلف نواحى الجزيرة العربية والتى تشير إلى بقايا عبادات القدماء ، كنقوش الثور فى جنوب الجزيرة ، وما ورد عن عجل أبيس ، وتمثال ” ود ” رمز القمر الأب .

-  الأساطير القديمة

ومنها أساطير الساميين القدماء كما جمعها ” صموئيل كريمر ” وغيره ، ودياناتهم كما تناولها د. جواد على فى المفصل ، بالإضافة إلى الأساطير والديانات الأخرى كالديانة اليونانية وديانة الصائبة المندائيين ، وديانة قدماء المصريين ، مع الاهتمام بالمتماثلات الطقوسية التى وردت فى الغصن الذهبى والفولكلور ، عند الشعوب المختلفة ، إلى جانب العهد القديم مع العودة إلى الدراسات العلمية عن بدايات الأديان ومراحلها الموغلة فى القدم .

-  مصادر ما قبل الإسلام

وتتمثل فى روايات الإخباريين عن أوابد العرب ، وكتب الأصنام ، وما بقى من أحوال العرب وبقايا طقوسهم وأساطيرهم مما حفظته بطون الكتب مثل أسطورة أساف ونائلة والعيوق والدبران ، وغيرها ، وما ورد فى أيام العرب من أخبار وقصص .

ولذلك جاءت دراسة الصورة عند الدكتور على البطل موثقة لا تخضع للظن ولا تسيطر عليها الانطباعية ، غير أن ما افترض وجوده من أساطير ضاعت أصولها تربط بين الحيوان وبين مظاهر الطبيعة هو رهن بما سوف يكتشف فيما بعد لتصبح ملامح هذه الأساطير أكثر وضوحاً وتحديداً .

وقد أقام الدكتور إبراهيم عبد الرحمن دراسته لصورة المرأة فى الشعر القديم(1) على أساس من فهم واضح للعصر الجاهلى حضارته وثقافته محاولاً أن ينفى عن عصر ما قبل الإسلام ما وصف به من تخلف حضارى وثقافى .

وقف الدكتور إبراهيم عبد الرحمن فى دراسته عند النقوش التى اكتشفت فى أماكن متفرقة من الجزيرة العربية ، بالإضافة إلى رصد ديانات الجاهليين حيث ميز بين مرحلتين :

الأولى  :  مرحلة الشرك أو عبادة الظواهر والكائنات .

الثانية  :  مرحلة التجريد .

كما ذكر عبادة الكواكب فى الشرق الأدنى القديم ، وعبادة الحيوانات وغيرها رموزاً لهذه الكواكب كالثور والفرس والمرأة والغزالة والنخلة .

وإلى جانب العودة إلى أساطير القدماء الساميين وعباداتهم يستند فى تفسيره لصورة المرأة النمطية فى شعر ما قبل الإسلام على تماثيل ما قبل التاريخ التى بولغ فى تضخيم أعضائها الأنثوية ، مع تدعيم هذه التفسيرات بالإشارات المعجمية وبقايا الطقوس القديمة التى تدور حول الغزال وقداسته .

وعلى الرغم من أن الدكتور أحمد كمال زكى يرى أن وراء أنماط الحيوان التى يعتمد عليها الشعر الجاهلى ، رصيداً فكرياً أسطورياً هائلاً
غير أنه يكتفى بقصص قبل الإسلام مثل قرش قريش وطقوس تحريم
————-

(1)  الدكتور إبراهيم عبد الرحمن : الشعر الجاهلى . مرجع سابق ص 234 وما بعدها .

الزور(1) ، وعند توجهه لتفسير قضية الظعن يكتفى بأن يطرح بعض التساؤلات من مثل : أفنظن أن هذه رحلة وراء الكلأ حقاً بعد إقفار منزل ؟

وفيم إذن الزينة وأبهى الحلل والغناء والعطور ؟ أهكذا يستقبل الخراب والفراق حتى لا تبقى إلا الذكرى الحزينة وما تخلف من نؤى
وأثاف ؟ ثم لماذا يخرج الموكب من الشرق إلى الغرب ؟

ولا يستقيم هذا فى رأى الدكتور زكى إلا أن تكون هذه رحلة الشمس نفسها يومياً منذ أن تبرز فى خدرها إلى أن تغيب وراء الأفق ، كل ذلك يمكن أن يكون صحيحاً ولكنه ما زال فى حاجة إلى توثيق .

ويحاول الدكتور مصطفى الشورى أن يقدم دراسة موثقة تتناول الرثاء وطقوسه مستعيناً بالأساطير والحضارات السامية القديمة ، وما قام عليها من دراسات ، بالإضافة إلى التاريخ ، إلى جانب ما تبقى من أخبار العرب وقصص ايامهم وبقايا عباداتهم وخرافاتهم .

وعلى الرغم من الجهد الكبير الذى يبدو فى دراسة الدكتور الشورى من تتبع صور الرثاء وصفات المرثيين فى المصادر المختلفة ، وحشد النصوص وتفسيرها ، إلا أن الجزء الذى يتصل بالتفسيرات الأسطورية والأصول الشعائرية من الدراسة – وهذا من باب التوثيق أيضاً – يمكن أن ينقسم إلى قسمين :

(1)   الدكتور أحمد كمال زكى : فصول م1 . ع3 أبريل 1981 ، التفسير الأسطورى للشعر القديم .

القسم الأول  :

تفسيرات وأصول شعائرية تناولتها دراسات سابقة لا تبعد كثيراً عن دراسة الدكتور الشورى بل كانت بين يديه ولكنه عالجها فى دراسته مستخدماً النصوص بعينها ومثال ذلك قصة الهامة ، والرذية أو البلية وفكرة الانتقال إلى الحشر بوسيلة ما ، مع عرض نص لحريبة بن الأشيم الفقعسى ، وأبيات لعمرو بن زيد ، فقد تناول الدكتور على البطل هذه الفكرة وعرض النصوص نفسها .(1) والفتشية ، والطوطمية والأنيمية والشمانية وتقديس العرب للرؤساء والملوك والكهان . وهذه الأمور تناولها أيضاً على الطريقة والنص الدكتور أحمد كمال زكى .(2)

ومنها أيضاً طقوس الخمر التى يقول إن أحداً من الدارسين لم يلتفت إليها ، وظاهرة التكرار فى قصيدة الرثاء مع نصوص للمهلهل وغيره ، فقد تناول هذه الظواهر الدكتور على البطل .(3)

هذا بالإضافة إلى الكتب والمراجع الأقدم عهداً التى عالجت مثل هذه الظواهر . ولم تقدم المعالجة التالية لهذه الظواهر ما يمكن أن يعد إضافة مثرية أو رؤية مكملة .

(1)  قارن الدكتور على البطل : ص 212 .

الدكتور الشورى : ص 28 – 29 .

(2)  قارن الدكتور الشورى : من ص 48 إلى ص 61 .

الدكتور أحمد كمال زكى : التشكيل الخرافى من ص 201 إلى ص 211 .

(3)  قارن الدكتور على البطل ص 219 ، ص 220 .

الدكتور الشورى ص 188 ، 189 .

القسم الثانى  :

آراء وتفسيرات ينسبها الدكتور الشورى إلى نفسه ولعله نسى أن يشير إلى أصحابها ، أو سقط منه ذلك سهواً . ومن هذه الآراء والنظريات ما يورده عند معالجته لأساطير العرب فى الحيوان إذ يقول ” فإذا توغلنا فى التاريخ العربى القديم ، لوجدنا الحيوان من بين الصور المهمة لمعبودات الإنسان القديم فهو إما طوطم الجماعة وجدها الأعلى ، وإما معبودها الممثل والرمز للإله السماوى ” الكوكب الذى تتوجه إليه الجماعة فى صلواتها ” . ثم يورد الدكتور الشورى نصاً للدكتور جواد على يظنه كذا كما أورده فى دراسته ولكن النص تلخيص لصفحات عدة من كتاب الدكتور جواد على ، قام به الدكتور على البطل الذى ترد العبارات عنده من ” إذا توغلنا … إلى آخر ما لخصه عن الدكتور جواد(1) حرفاً بحرف ” .

ومن ذلك أيضاً حديثه عن عقائد العرب الدينية وما تركته من ممارسات من قوله : ” ولقد تركت هذه العقائد …. إلى : وجعيل ” ومن
قوله : ” ويطول بنا الأمر حيث يذكر ثلاثاً من الممارسات وما وراءها من دلالات دينية وأسطورية ” يذكرها الدكتور على البطل فى دراسته بعبارات تبدأ من : ” ولقد …. إلى آخر النص ” . بل إن الدكتور الشورى لم ينس النقاط الثلاث وكلمة إلخ التى أتت فى آخر الفقرة الثانية ، ولكنه نسى أن

(1)  قارن الدكتور على البطل : ص 123 .

الدكتور الشورى : ص 61 .

يشير إلى مصدره .(1)

وفى تفسيره لبعض طقوس الحيوان يقول :

” وليس فى صيد الحيوان وعبادته أو الانتساب إليه ، تناقض ما فى سلوك الإنسان البدائى وعقائده ، فقد كان الإنسان القديم يرى أن تناول لحم الضحية المقدسة يجعله متلقياً لحياة وصفات إلهية ، ويحل قوى هذه الآلهة فى جسده ، وكما فى طقوس الدفن … فإن ميراث المتوفى يقتسم ليتشرب الورثة صفاته المتميزة ” وهذه الفقرة من قوله : ” ليس حتى قوله : المتميزة هى هى بعباراتها خلا جملة ” كما يمكن أن نتصور ” بعد كلمة ” وعقائده ” عند الدكتور على البطل ملاحظة أن جزءاً من الفقرة مترجم ولا يمكن لترجمة مثل هذه الفقرة ، أن تكون حذو الحرف بالحرف ، مع ترجمة ثانية ” .(2)

ولا نعرض لآراء وتفسيرات أخرى نسى أن يشير إلى أصحابها مثل الدكتور أحمد كمال زكى والدكتور على البطل وربما غيرهما ولكن تفسيره لما يقول الجاحظ من قتل الثور باتحاد المناسبة بين موته فى ملحمة جلجامش وبين موته فى القصيدة الجاهلية ، لأن ثور السماء تجسيد للقحط خلقه ” آنو ” إله السماء السومرى ، وأبو الآلهة ، لأجل عشتار فكأنه لما كان رمزاً للقحط استحق الموت وكان هذا شأنه أيضاً فى المراثى ، هذا التفسير يرد عند

(1)  قارن الدكتور على البطل : ص 47 ، ص 49 ، 50 ، 51 . .

الدكتور الشورى : ص 68 ، 69 ، 70 .

(2)  قارن الدكتور على البطل : ص 124 .

الدكتور الشورى : ص 63 .

الدكتور زكى منسوباً إلى صاحبه الدكتور عادل جاسم البياتى .(1)

ليس فيما سبق مظنة اتهام للدكتور الشورى بقدر ما هو تنبيه إلى نسيان
أظنه وقع منه أو من الطباعة إذ إن تعدد جوانب الدراسة ، وكثرة وتنوع مصادرها ، ربما كان مجلبة لبعض هذا النسيان .

أما دراسة الأفعى فقد اشتدت الباحثة فى توثيقها حتى غدت دراسة
” أنثروبولوجية ” لثقافات المنطقة من خلال ارتباطها بالأفعى ، لا تقدم تفسيراً
” ميثولوجيا ” للحية فى الشعر الجاهلى ، بقدر ما تقدم معيناً يفيد فى تأكيد الوحدة الحضارية لمنطقة الشرق الأدنى من ناحية ، وتوفر بعد ذلك مبرراً صالحاً لقبول تماثلات أسطورية قد تظهر هنا أو هناك .

ويقود الحديث عن الانطباعية والتوثيق فى الدراسات الأسطورية إلى ضرورة الحديث عن تماسك المنهج فى هذه الدراسات ، ذلك أن تماسك المنهج يعتمد على منهجية منطلقه النظرى وموضوعيته من ناحية ، وعلى سلامة أدواته وعلميتها من ناحية أخرى لتقوم نتائجه على أساس منهجى
سليم .

فعلى الرغم من تنبه الدكتور الطيب إلى الصلة الوثيقة بين الشعر القديم والكهانة ومن ثم صلة هذا الشعر الوثيقة بالدين والعقائد القديمة ، إلا أنه اختار جانباً واحداً هو ” النسيب ” ، وكان يمكن للدكتور الطيب أن يقدم رؤية متكاملة لكل ظواهر هذا الشعر لا لظاهرة النسيب فقط ، بالإضافة إلى أن
(1)    قارن الدكتور أحمد كمال زكى : التشكيل الخرافى ص 211 .

الدكتور الشورى : ص 62 .

الدكتور الطيب حصر العقائد القديمة فيما توفر لديه من مرحلة الوثنية القريبة من الإسلام قكان من نتيجة ذلك أن عجز عن افتراض أصل لعبادة الخصوبة عند العرب ، لأنه لم يعد بدراسته إلى أصول سامية أو مكتشفات آثارية ، فهو يزعم مرة أن المرأة كانت أصل عبادة الخصوبة ، ويرى مرة أخرى أن السقيا أصل قائم بذاته فى عبادات الخصوبة ، ويعود مرة ثالثة ليفترض أنها الشمس كانت إلهة الخصوبة الأولى .(1) فإذا عاد الدكتور الطيب للبحث عن أصول الصورة فى التراث القديم – وقد أغفل الأساطير والتراث السامى – كان عوده غير أحمد ، فهو يعود إلى التراث المصرى القديم الذى يرى أن الودع وهو من أصداف البحر كان مما يؤلهه قدماء المصريين وأخذ عنهم العرب تشبيهه بالمرأة ، ويرى أن لتشبيهه بالمرأة نصيباً وافراً من أصل تأليهه .

ويتصل بهذه النقطة ما افترضه الدكتور – حين عاد إلى التراث اليونانى – من تأثر الشعراء العرب فى وصفهم للمرأة ورسم مقاييس
جسدها ، بتماثيل أفروديت أو فينوس وقد أغراه بذلك تشبيه بالدمية فى الشعر العربى ، أو هيئة أفروديت التى تطابق بعض وصفه ، ولكن العودة إلى الأساطير السامية القديمة تؤكد أن الساميين القدماء هم الأصل فى هذا المجال
” الأفروديتى ” بالذات ، فقد نزحت أفروديت ( الدرة ) من العبادة الكنعانية إلى قبرص ومن ثم كانت غريبة على آلهة الأوليمب ، كما سبق عند الحديث عن دراسة الدكتور الطيب .

(1)    الدكتور الطيب : المرجع السابق ص 874 ، ص 896 ، 982 .

وتبعاً لذلك حاول الدكتور الطيب كثيراً أن يعقد الصلات بين أخبار العرب وبين أصول يونانية يظن أنها أخذت منها ثم أضيف إليها وغيرها ، أو حورت لتلائم ذوق العرب مثل قصة الزباء وخرافة طروادة ، ولا يستقيم هذا المنهج فى دراسة تحاول الربط بين تراث عربى وأصول عقائدية ، فقد كان الأحرى العودة إلى الأساطير السامية التى تمثل عقائد المنطقة ، قبل العودة إلى التراث اليونانى .

ولا يسلم منهج الدكتور البهبيتى من الخلط بأى مقياس من المقاييس ، فالأساس النظرى الذى ارتضاه لبحثه مجرد غموض ومقولات لا تخلو من التناقض ، بل إنه خرج بنتيجة بحث مسبقة تفترض عربية ملحمة جلجامش ويمانية صاحبها قبل أن يشرع فى البحث .

لذلك يقع منهج بحثه فى غير قليل من التناقض فهو يرفض القول بتعليق ملحمة جلجامش على الكعبة ، فى الوقت الذى يؤكد فيه أنها كانت معروفة للعرب ضمن قصص ” رستم واسفنديار ” التى امتلكها النضر بن الحارث .

كما لم يفسر الباحث لماذا خلت ملحمة جلجامش الذى يفترض أنه ذو القرنين من أى حديث عن سد أو بنائه ؟ حيث عاد جلجامش إلى أوروك دون أن يشير إلى معالم طريقه . ولماذا لم تبحث الدراسة عن الصلة بين اسم الخضر واسم ” أوتونفستم ” كما تناولت الصلة بين موسى وجلجامش ؟ إن منهجاً يقول بلغة واحدة هى أصل الخليقة ما زالت إلى اليوم بمنطوقات منحرفة ، وحضارة واحدة انتشرت فى العالم كله ، فالبشر كلهم من بقاياها ، وملحمة شعرية واحدة صاحبها يطوف العالم ليكون جلجامش وهرقل وذا القرنين وموسى الخضر ، لهو منهج يحتاج من صاحبه أن ينظر فيه نظرة أكثر منهجية وموضوعية .

أما منهج دراسة الدكتور مصطفى ناصف فقد جاء محكماً إذا أغفلنا الأساس النظرى الذى أقامه أو وعد بإقامته عليه ، فقد تناول شعر ما قبل الإسلام فى تحليلات شيقة وممتعة ، ولكنها – كما قلت – تناولت جانباً واحداً من جوانب المفهوم النظرى للاشعور الجمعى هو جانب الإسقاطات الروحية والنفسية للشاعر .

وعلى الرغم من تأكيد الدكتور ناصف على جماعية الشعر الجاهلى إلا أن الفردية تبدو واضحة فى قوله عند تناول صوره : ناقة طرفة ، وفرس امرئ القيس ، ورحلة الحادرة وأن تنسب الناقة إلى شاعر ، والفرس إلى آخر والرحلة إلى ثالث فذلك تناقض مع الصفة اللاشعورية الجمعية لهذا التراث .

وإن يكن الدكتور المطلبى لم يقدم رؤية متكاملة لشعر ما قبل الإسلام وإنما رضى بتفسير صورة واحدة هى صورة الثور ، وأخال أنه لو فعل فى تلك المرحلة المتقدمة نسبياً مع ما توافر لديه من أدوات ، لاستطاع أن يسهم فى ترسيخ المنهج الأسطورى فى وقت مبكر .

وينطلق منهجه فى دراسة صوره من مفهوم اللاشعور الجمعى ، وبقايا العبادات الكامنة فى باطن القصيدة ولاوعى صاحبها ، بعد أن يرفض تماماً الدراسة الوصفية للشعر الجاهلى ، ويختار فى منهجه أن يبدأ من العصور الموغلة فى القدم ، محاولاً أن يتغلب على الصعاب التى تعترض طريقه ، ويتتبع رمز الثور فى الحضارات والديانات السامية ، ثم يبحث تأثر عرب الجزيرة فى دياناتهم بأجدادهم الساميين على أساس الدراسات القائلة بأصل واحد للدين السامى وارتباط مشترك فى معبودات الأقوام السامية .

وقد كان يمكن للمنهج الذى اتبعه الدكتور نصرت عبد الرحمن فى دراسته أن يكون أشد تماسكاً لولا أنه استساغ دراسة الصورة الفنية مقتصراً على الفترة الوثنية .

وينطلق الدكتور على البطل من رؤية متكاملة ومنهجية لشعر ما قبل الإسلام وأصله الشعائرى ، لا يقف عند صورة بعينها ، أو مظهر بذاته من مظاهر هذا التراث ، ولكنه يضع شعر هذه المرحلة جميعه تحت رؤية أسطورية ، تبدأ من مفهوم واضح للنقد وللصورة الفنية يقوم على أساسين

الأول :   يهتم بالصورة الذهنية نتاجاً لعمل الذهن الإنسانى فى تأثره بالعمل الفنى وفهمه .

الثانى :  يهتم بالصورة تجسيداً لرؤية رمزية تعنى بالأنماط المكررة وارتباطها بالنماذج العليا فى الشعائر والأساطير .

وقد تعرضت الدراسة للصعوبات التى تواجه البحث عن البدايات والأصول ، وقد حاولت التغلب على هذه الصعاب بوسيلتين :

الأولى : البحث عن ارتباط الفن بالدين القديم حيث نشأ كل منهما فى حجر الآخر ، منذ واجه الإنسان الكون وتفاعل معه روحياً وسحرياً وشعائرياً ، فكان الإيمان بطقوس يؤديها الفنان والكاهن والساحر والشاعر

الثانية : قياس المجهول من أطوار فكر أسلافنا وفنونهم وعقائدهم على ما صار معروفاً لدينا عن الأمم التى مرت بالأطوار نفسها .

ولا يقنع منهج الدراسة عند الدكتور على البطل بالوقوف عند مرحلة معينة ، كالوثنية مثلاً ، يبحث فيها عن أصول هذا الشعر ، بل إن المنهج ينظر إلى هذا التراث من منطلق إنسانى بالدرجى الأولى ثم من منطلق
سامى ، لذلك يعود كثيراً إلى بدايات النمو الميثولوجى والإنسانى ، متمثلة فى حفريات ما قبل التاريخ ، وإلى بدايات الفكر الدينى فى مراحله الموغلة ، ليقدم منهجاً شمولياً ينظر إلى الفن القديم على أساس من ارتباطه بالفكر الميثودينى الذى يمثل منبعه الأول ، كما يعود أيضاً إلى أساطير وديانات منطقة الشرق الأدنى القديمة إلى جانب ما تبقى من أساطير العرب وأخبارهم محاولاً تخليصها من الشوائب .

وتحاول الدراسة على ضوء هذا المفهوم المتكامل والرؤية الشاملة مع الأدوات المنهجية أن تتبع الصور النمطية التى تكررت فى الشعر الجاهلى ، فتدرس صورة المرأة منذ بدايات الفكر رمزاً للخصوبة ، وارتباطها بالشمس عند العرب ثم تنظر فى صورة للمرأة سمتها المرأة
المثال ، تتكرر فيها رموز وعناصر الشمس ، وتتناول صورة جزئية تتكون بفصل عنصر منها والتوسع فيه ، وأخيراً تعنى بالصورة الواقعية .

وتفترض الدراسة فى تفسيرها لصور الحيوان الوحشى أنها بقايا أساطير قديمة ضاعت أصولها ، فالثور الوحشى رمز القمر يتكرر صراعه مع الصياد وكلابه ، والحمار الوحشى يرد الماء ويتربص به الصياد عنده ، والظليم يرحل فى موسمى التناسل بين المرعى والأدحى .

وتحرص الدراسة على تفسير الكثير من شؤون الإنسان وحياته فتعرض لصورة الرجل المثال المرتبط بالقمر ، فى حربه وسلمه ، وتفسر صور المديح والهجاء وطقوس الموت وشعائر اللهو والخمر ، وعلاقة هذا الإنسان بالطبيعة من حوله .

لقد كان المنهج الذى أقامه الدكتور على البطل فى دراسته للصورة فى الشعر العربى من أكثر المناهج التفسيرية التى تناولت هذا التراث تماسكاً وتكاملاً وموضوعية بسبب تكامل رؤيته النقدية وتماسك أساسه النظرى ، وموضوعية أدواته ووسائله .

ولكن دراسات هذا المنهج ما زالت تنتظر مزيداً من الكشوف التاريخية والأنثروبولوجية ، حتى يفصح هذا التراث القديم عما يختزنه فى باطنه من معطيات فنية ومكنون فكرى .

وعلى الرغم من هذه الصعوبات فإن منهج التفسير الميثولوجى للشعر القديم هو أكثر المناهج جدية فى محاولة الكشف عن الحياة الكامنة فى النص على أساس من فهم صحيح لطبيعة هذا الفن ووظيفته فى حياة الإنسان ، فالمنهج لا ينظر إلى الفن أثراً لغوياً فقط من أجل كشف أو خلق نسق بنيوى يقوم على أساس فكرة انطباعية سائدة منذ الدراسات القديمة كمحاولات بعض البنيويين ، ولا ينظر إلى هذا الفن نتاجاً ساذجاً فجاً لابن الصحراء البدوى ، ومن ثم جاء خالياً من كل فكر حقيقى كمحاولات بعض التأثريين ، ولا ينظر إلى هذا الفن صدى لأزمة نفسية أو قلق عارض كمحاولات بعض الوجوديين ولكنه يعالج هذا الفن على أساس واضح من فهم لطبيعة الفن القديم الميثودينية ، ومن إدراك سليم لوظيفته فى حياة الإنسان تعبيراً ورمزاً
وبقاء

الخاتمة

——-

يمكن إيجاز ما حققه البحث فى دراسته للمنهج الأسطورى فى تفسير الشعر الجاهلى فيما يلى :

عرض البحث الأصول العامة للمنهج ، والمفاهيم الأساسية التى شكلت أسسه النظرية ، فقد استمد المنهج من الدراسات النفسية مفهوم اللاشعور الجمعى ، وما يفترضه هذا المفهوم من كمون موروث البنية العقلية البشرية ، بما يحمله من أنماط عليا ، تناول البحث أشكالها كما رصدها ” كارل يونج ” فى قسمين : الأنماط العليا الشخصية كنمط الظل والقران المقدس والأنيما ، وأنماط التحول كنمط الأم الذى يحمل صورة الأم الطبيعة والأم الأرض والأم الروح ، ونمط الطفل الذى يحمل صورة الطفل الإله والطفل البطل ، ونمط البنت الذى يحمل صورة العذراء والأنثى المجهولة والأنثى الخرافية والأنثى الأضحية .

وتناول البحث كذلك أصول المنهج من المفاهيم الأنثروبولوجية التى نادى بها ” تايلور ” والتى تؤكد أهمية الإرث الثقافى ، وما أثبته
” فريزر ” من أن الأصل الذى تمثله الطقوس الأسطورية سيظل باقياً فى الذاكرة الجمعية ، وأثر هذه المفاهيم فى نشأة الاتجاهات القائمة على التفسير الطقوسى للفن القديم فى الغرب .

وعرض لما اعتمد عليه المنهج من نتائج الدراسات الرمزية التى قام بها ” فيكو ” ” وهيردر ” وغيرهما ، للعلاقة بين اللغة والشعر والأسطورة ، وبين الشاعر والمنابع القديمة للفن ، بالإضافة إلى مقولات الفلسفة الرمزية التى وضعها ” كاسيرر ” عن علاقة التشكيل ” الميثولوجى ” بالتشكيل الشعرى .

كما عرض أيضاً لما أسهمت به الدراسات النقدية فى تأسيس المنهج الأسطورى بمفاهيمها عن العلاقة بين الفن والسحر ، وبين الفن والدين وعن ارتباط الصورة بالخيال والمجاز من ناحية ، وتجسيدها لرؤية رمزية ظهرت فيما عرف بالصور العنقودية من ناحية أخرى .

تناول البحث ما يراه المرحلة الأولى من مراحل المنهج الأسطورى وهى مرحلة البدايات الراصدة التى بدأت برصد الجاحظ لصورة الثور والكلاب ، وتتبع الدعوة إلى الاهتمام بالأساطير ،ومحاولات الربط القائمة على رصد التشابهات بين بعض صور الشعر الجاهلى وبعض ما ورد فى الأسفار القديمة .

وشمل البحث ضمن دراسات هذه المرحلة دراسة الدكتور عبد الله الطيب التى تنبه فيها إلى وجود ارتباط وثيق بين النسيب وعقائد الجاهليين ، حيث افترض المرأة أصلاً من أصول عبادة الخصوبة ، ورصد رموزها فى الشعر الجاهلى وحاول ربط هذه الرموز بتلك
العبادة ، كما حاول أيضاً أن يصل نعت المرأة ومقاييسها الجسدية بالتراث اليونانى .

وعرض قراءة الدكتور مصطفى ناصف الثانية للشعر القديم ، التى استعان فيها بمفهوم ” يونج ” وتناول فيها فى تحليلات لا تخلو من متعة فى إطار واحد من أطر اللاشعور الجمعى هو إطار ما تمثله من إسقاطات عاطفية ونفسية .

ووقف البحث عند دراسة الدكتور البهبيتى وناقش فروضه فى عربية ملحمة جلجامش ويمانية بطلها ، وتناول مقارنة الدكتور البهبيتى لبعض صور الشعر الجاهلى بما جاء فى الملحمة .

وقد انتهى البحث إلى أن هذه الدراسات التى تمثل البدايات الراصدة إما أن تكتفى بمجرد رصد الظواهر والمتماثلات وتربط بينها ربطاً يقوم فى معظم الأحيان على الظن ويفتقر إلى التوثيق العلمى الصحيح لعدم رجوعها إلى الأصول السامية والكشوف الآثارية ، ومن ثم تخرج هذه الدراسات غالباً بنتائج ينقضها البحث التاريخى واللغوى والتراث السامى كدراسة الدكتور عبد الله الطيب والدكتور البهبيتى .

وإما أن تبتسر بعض مفاهيم الدرس النفسى الحديث ، وتكتفى بأيسر جوانبه لتكون فى النهاية محض انطباعات ينقصها السند العلمى يؤدى أيضاً إلى نتائج خاطئة فى بعض الأحيان كدراسة الدكتور مصطفى ناصف .

درس البحث المرحلة الثانية وهى مرحلة التوثيق ممثلة فى دراستها التى تبدأ تاريخاً ومنهجاً بدراسة الدكتور عبد الجبار المطلبى فى تفسير قصة ثور الوحش فى القصيدة ، وناقش دراسة الدكتور نصرت عبد الرحمن للصور فى ضوء الدين الوثنى حيث حاولت الدراسة تفسير تشبيه المرأة بالدمية والشمس والغزالة ، والبكاء على الأطلال ، ورحلة الظعائن ، والحيوان ، وأسماء النساء فى الشعر الجاهلى .

ودراسة الدكتور على البطل التى عادت إلى بدايات النمو الميثولوجى لتفسير صورة المرأة وارتباطها بالشمس ورموزها .

وصورة الحيوان : الثور والحمار الوحشى والظليم ، لتفترض فى النهاية وجود تاريخ أسطورى وراء كل منها ، وتشترك جميعاً فى مساق أسطورى واحد تتقارب عناصره هو الصراع بين هذه القوى وقوى أخرى .

وصورة الإنسان : شؤونه بين الحياة والموت والطبيعة ، حيث تعرض الدراسة صورة الرجل المثال ، وتفسر صور المدح والهجاء وطقوس الخمر والحرب وشعائر الموت وصورة الطلل والسيل ورحلة الشاعر . ودراسة الدكتور إبراهيم عبد الرحمن التى تؤكد أن الوصول إلى فهم طبيعة العلاقات الخفية فى الشعر القديم ، لا يتم إلا بالكشف عن الأصول الميثولوجية للصورة فيه ، ويعرض البحث تفسيره لصورة المرأة ، وربطه بين أحداث دارة جلجل وبعض الملاحم القديمة .

ويعرض البحث لبعض صور التشكيل الخرافى فى الشعر القديم كما رصدها الدكتور أحمد كمال زكى ومحاولته لتفسير بعض أنماط الحيوان وقضية الظعن ، ولدراسة الدكتور مصطفى الشورى لشعر
الرثاء ، وصورة الأفعى عند الدكتورة ثناء أنس الوجود .

يضع البحث المنهج الأسطورى بين مناهج التفسير الأخرى لشعر ما قبل الإسلام ومنها الدراسات النفسية والوجودية التى تعتبر امتداداً لدراسات
” فالتر براون ” والدكتور عز الدين إسماعيل ، والتحليلات البنيوية التى يمثلها الدكتور كمال أبو ديب ، والدكتورة ” سوزان ستيكتفتش ” .

والدراسات النفسية والوجودية لم تضف شيئاً إلى ما قاله الرواد من حيث تعبير هذا الشعر عن موقف وجودى للشاعر من الكون والحياة من حوله ، وإن اتخذت من وجهة نظر مختلفة مرة ، أو من نظام صياغى مرة أخرى ، أو من تحليل درامى مرة ثالثة وسائل وأدوات تصل بها إلى النتيجة نفسها .

أما التحليلات البنيوية فهى بالإضافة إلى ثنائياتها الجاهزة فى ذهن صاحبها ، تتعامل مع النص أثراً لغوياً وتهمل جوانب الحياة الكامنة فيه لتقول بعد اختزال النص وجدولته أنه تعبير عن موقف ما من الوجود والكون ، أو لتؤكد مقولة انطباعية ساذجة عن قصيدة مفتاح أو قصيدة شبقية .

وكلا النوعين من الدراسات لم يستطع أن يفلت من سيطرة الطبيعة الطقوسية للشعر القديم التى تمثل العامل الأساسى فى بروز المنهج الأسطورى .

تتحدد معايير ثلاثة للحكم على موضوعية الدراسات الأسطورية :

الأول  :  الخلو من الانطباعية .

الثانى  :  التوثيق .

الثالث  :  تماسك المنهج وتكامل الرؤية .

وبمعزل عن البدايات الراصدة التى افتقرت إلى هذه العناصر
جميعاً ، ينتهى البحث إلى أن الانطباعية هى النتيجة الحتمية للافتقار إلى التوثيق أو الاكتفاء بالمرحلة الوثنية مما يؤدى بالضرورة إلى اختلال المنهج وضعف نسيجه .

فقد توقف الدكتور نصرت عبد الرحمن والدكتور أحمد كمال زكى عند المرحلة الوثنية فسيطرت النزعة الانطباعية على كل منهما وكثرت تساؤلاته وتعددت مداخله واختلطت مفاهيمه .

واشتد كل من الدكتور المطلبى والدكتورة ثناء أنس الوجود فى أمر التوثيق حتى أغفل كل منهما بعض ما كان بصدده .

وتبقى دراسة الدكتور على البطل للصورة فى شعر ما قبل الإسلام ، أبرز هذه الدراسات حتى وقتها من وجهة نظر البحث على ضوء المعايير السابقة ، حيث قدمت دراسته على ضوء هذا المنهج رؤية متكاملة للشعر الجاهلى ، على أساس فهم واضح لطبيعة الصورة فيه مع العودة إلى بدايات النمو ” الميثودينى ” والكشوف الآثارية .

وعلى الرغم من جدة وقيمة ما وصلت إليه هذه الدراسات ، فإن فروضها فى بعض الأحيان تحتاج إلى التوثيق بعودة أشمل إلى العلوم الأركيولوجية والنقوش القديمة والأساطير السامية .

المراجــع

——

أولاً  :  مراجع عربية أو مترجمة  :

1-  الدكتور إبراهيم عبد الرحمن : الشعر الجاهلى : قضاياه الفنية والموضوعية ، مكتبة الشباب – القاهرة – 1979 .

2-   الدكتور أحمد السعدنى : نظرية الأدب ﺠ1 ، مكتبة الطليعة ، أسيوط مصر ، 1979 .

3-أرنست فيشر : ضرورة الفن : ترجمة أسعد حليم ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ، 1971 .

4- أرنست كاسيرر : الدولة والأسطورة : ترجمة د. أحمد حمدى محمود . دار النهضة العربية . القاهرة .

5- برتراند رسل : حكمة الغرب ﺠ 1 ، ﺠ2 ترجمة د. فؤاد زكريا . عالم المعرفة 62 ، 72 . المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب بالكويت . 1983 .

6- الدكتورة ثناء أنس الوجود : رمز الأفعى فى التراث العربى . مكتبة الشباب ، القاهرة ، 1984 .

7- الجاحظ ( عمرو بن بحر ) : الحيوان ﺠ2 . بتحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون . طبعة البابى الحلبى ، مصر ، 1965 .

8- الدكتور جواد على : المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام ﺠ 6 دار العلم للملايين ، بيروت . لبنان ط1 ، 1970 .

9- جيمس فريزر : الغصن الذهبى : دراسة فى السحر والدين . ترجمة بإشراف د. أحمد أبو زيد . الهيئة المصرية العامة 1971 .

10- الدكتور حامد عبد القادر : الأمم السامية . مصادر تاريخها وحضارتها . نهضة مصر ، القاهرة .

11- الدكتور حسن ظاظا : الساميون ولغاتهم : دار المعارف ، القاهرة ، 1970 .

12- الدكتور حسين عطوان : مقدمة القصيدة العربية فى الشعر الجاهلى : دار المعارف ، القاهرة ، 1970 .

13- الدكتور حسين فهيم : قصة الأنثروبولوجيا – عالم المعرفة 98 – المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب . الكويت 1986 .

14- ابن رشيق القيروانى : العمدة : تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد . بيروت . لبنان ط4 – 1972 .

15- سبتينو موسكاتى : الحضارات السامية القديمة . ترجمة د. يعقوب
بكر ، دار الكاتب العربى . القاهرة .

16- ستانلى هايمن : النقد الأدبى ومدارسه الحديثة ﺠ1 ، ﺠ2 . ترجمة
د. إحسان عباس ود. محمد يوسف نجم . دار الثقافة ، بيروت 1981 .

17- سيجموند فرويد :

أ  -  محاضرات تمهيدية فى التحليل النفسى : ترجمة د. أحمد عزت راجح . الأنجلو المصرية . 1978 .

ب -  موسى والتوحيد . ترجمة د. عبد المنعم الحفنى . الدار المصرية ، القاهرة ط2 ، 1978 .

18- الدكتور شوقى ضيف : العصر الجاهلى : دار المعارف القاهرة ط3 ، 1965 .

19- الدكتور طه باقر : ملحمة جلجامش : منشورات وزارة الإعلام العراقية 1975 .

20- الدكتور طه حسين :

أ  -  على هامش السيرة .

ب -  قادة الفكر ، دار المعارف . القاهرة . ط9 .

21- الدكتور عبد الجبار المطلبى : مواقف فى الأدب والنقد : وزارة الثقافة والإعلام العراقية . دار الرشيد . العراق ، 1980 .

22- الدكتور عبد الرحمن صدقى : الشرق والإسلام فى أدب جوته : المكتبة الثقافية ع10 – دار القلم – القاهرة .

23- عبد العزيز الجرجانى : الوساطة بين المتنبى وخصومه : تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلى محمد البجاوى . القاهرة 1966 .

24- الدكتور عبد العزيز القوصى : علم النفس ، أسسه وتطبيقاته : مكتبة النهضة . القاهرة 1978 .

25- الدكتور عبد الله الطيب : المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها
ﺠ3 : دار الفكر . بيروت – ط1 – 1973 .

26- الدكتور عز الدين إسماعيل :

أ  -  الأدب وفنونه : دار الفكر العربى . القاهرة 1968 .

ب – روح العصر . دار الرائد العربى . بيروت. لبنان 1978 .

ﺠ  – المكونات الأولى للثقافة العربية : وزارة الإعلام العراقية . بغداد 1972 .

27- الدكتور على البطل : الصورة فى الشعر العربى حتى آخر القرن الثانى الهجرى ، دار الأندلس . بيروت . لبنان ط1 ، 1980 .

28- فراس السواح : مغامرة العقل الأولى : دار الكلمة – بيروت . لبنان 1981 .

29- ابن قتيبة : الشعر والشعراء – تحقيق أحمد محمد شاكر ، دار المعارف ، القاهرة 1966 .

30- كارل بروكلمان : تاريخ الأدب العربى ﺠ1 ، ترجمة الدكتور محمد
عبد الحليم النجار . دار المعارف . القاهرة ، ط4 .

31- كريستوفر كودويل : الوهم والواقع : ” دراسة فى منابع الشعر ” . ترجمة توفيق الأسدى . دار الفارابى – بيروت . لبنان 1982 .

32- كلود ليفى شتراوس : مقالات فى الأناسة : ترجمة د. حسن قبيسى . دار التنوير ، بيروت – لبنان ، 1983 .

33- الدكتور لويس عوض : نصوص النقد الأدبى لدى اليونان ﺠ1 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1965 .

34- الدكتور محمد عبد المعيد خان : الأساطير والخرافات عند العرب ، دار الحداثة ، بيروت – لبنان . ط4 . 1982 .

35- الدكتور محمد نجيب البهبيتى : المعلقة العربية الأولى ، أو عند جذور التاريخ ، دار الثقافة . الدار البيضاء . المغرب 1981 .

36- الدكتور مصطفى عبد الشافى الشورى : شعر الرثاء فى العصر الجاهلى ، الدار الجامعية . بيروت – لبنان 1983 .

37- الدكتور مصطفى ناصف :

أ  -  الصورة الأدبية : مكتبة مصر . القاهرة 1958 .

ب – قراءة ثانية لشعرنا القديم – دار الأندلس ، بيروت – لبنان ط2 ، 1981 .

38- موريس كرانستون : سارتر بين الفلسفة والأدب ، ترجمة مجاهد
عبد المنعم مجاهد ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1981 .

39- الدكتور نصرت عبد الرحمن : الصورة الفنية فى الشعر الجاهلى فى ضوء النقد الحديث ، مكتبة الأقصى . عمان – الأردن ط2 ، 1982 .

40- هربرت ريد :

أ  -  الفن والمجتمع : ترجمة فارس مترى ضاهر . دار القلم ، بيروت 1975 .

ب – الفن اليوم : ترجمة : محمد فتحى وجرجس فتحى . دار المعارف ، القاهرة 1981 .

41- أبو هلال العسكرى : الصناعتين : تحقيق على محمد البجاوى ومحمد أبو الفضل إبراهيم ، طبعة مصطفى الحلبى ، القاهرة .

42- هنرى فرانكفورت وآخرون : ما قبل الفلسفة : ترجمة جبرا إبراهيم جبرا ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط3 ، بيروت – لبنان 1982 .

ثانياً : مراجع باللغة الإنجليزية :

  1. Benedetto Croce : The Philosophy of Vico. Haward Latimer. London, 1913 .
  2. Carl. G. Jung  :

A)  The Archetypes and the Collective unconscious. Trans. By : R.F. Hull, Pantheon Books. New York. 1959.

B)   Modern Man in Search of A soul. Trans. By W. Dell & Cary E Baynes. London. 1966 .

C)   The Role of the Unconscious. Collective Works. Trans. By : R.F.Hull. Routledge & Kegan Poul, London, 1964 .

D)  The Spirit in Man, Art and Literature, Trans. By: R.F. Hull, Banthien Books. New York. 1966 .

  1. David Lodge : 20th. Century Criticism . “ Freud and Literature “ by Trilling “ Longman-London 1976 .
  2. Duncan Michell : A Dictionary of Sociology, Routledge & Kegan Poul. London. 1968 .
  3. Edward.V. Hartman:The Philosophy of the Unconscious. London.
  4. Ernst Cassirer :

A)  The Philosophy of Symbolic Forms Vol. 1,2, Trans. By Ralph Manheim. New Haven. Yale Univ. Press, p 1961.

B)   An Essay on Man, An introduction to A philosophy of Human culture. Doubleday & Anchor Books. Garden City. New York . 1956 .

  1. Lewis Coser and Bernard Rosenterg : Sociological Theory, Macmillan. Co-New York. 3rd. Edd.d 1972 .
  2. Malcolm Cowley : Literary Situation. Compass Books Edition 1954 .
  3. Rene Wellek : Concepts of Criticism, New Haven. London, Yale Unipress. 1963 .
  4. Sigmond Freud : Totem And Taboo London 1962 .
  5. Wilburs Scott : “ Five of Literary Approaches Criticism . An arrangement critical Essays. New York. 1962 .
  6. William K. Wimsatt & Cleanth Brooks : Literary Criticism, A short History, Part : 3,4 Routledge & Kegan Poul. London. 1970 .

ثالثاً : الدوريات :

1-  حوليات كلية الآداب جامعة الكويت : 1980 د. فؤاد زكريا – الجذور الفلسفية للبنائية .

2-  الشعر : عدد 11 – يوليو 1978 . سير جارلز ليال . ” مظاهر الوصف فى الشعر العربى القديم ” تعريب د. عبد الله المهنا .

عدد 17 – أكتوبر 1979 أليس ليختانستادير . ” سعة مجال الواقع فى الشعر العربى ” تعريب د. عبد الله المهنا .

3-   فصول : مجلد 3 . عدد 3. أبريل 1981 .

-       د. إبراهيم عبد الرحمن : التفسير الأسطورى للشعر الجاهلى .

-       د. أحمد كمال زكى : التفسير الأسطورى للشعر القديم .

مجلد 4 . عدد 2. مارس 1984 .

-       د. إبراهيم عبد الرحمن : من أًصول الشعر العربى القديم .

-       د. كمال أبو ديب : نحو تحليل بنيوى للشعر الجاهلى .

-       محمد صديق غيث : التحليل الدرامى للأطلال بمعلقة لبيد .

-       د. محمد عبد المطلب مصطفى : الوقوف على الطلل .

4-   مجلة كلية الآداب جامعة الرياض مجلد 5 – 1977 – 1978 .

د. أحمد كمال زكى : التشكيل الخرافى فى شعرنا القديم .

5-   مجلة المجلة المصرية : أعداد 98 / 100 / 104 ، 1965 .

د. يوسف خليف : صور من المقدمات الجاهلية .

6-  مجلة المجمع العلمى العراقى مجلد 33. أبريل 1982 ، الدكتور محمود عبد الله الجادر . عناصر الوحدة الثقافية فى الشعر العربى .

7-  مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق . مجلد 60 ط – 1985 .

د. سوزان ستيتكيفتش . القصيدة العربية وطقوس العبور ، دراسة البنية النموذجية .

8-    مجلة المعرفة السورية . عدد 4. السنة الثانية . يونيه 1963 فالتر براونه . الوجودية فى الجاهلية .

الفهرس

مقدمة

5
الفصل الأول : أصول المنهج الأسطورى العامة 12 – 19
-  أصول نفسية : اللاشعور الجمعى والأنماط العليا 13
-  أصول أنثروبولوجية : الأنثروبولوجيا الثقافية 16
- مفاهيم ” تايلر و ” فريزر “ 16
- نشأة مدرسة الأصل الشعائرى للفن 17
الفلسفة الرمزية  : 17 -
- أصول من الدراسات الرمزية : ” فيكو ” –
” هيردر ” – ” شلنج “
- فلسفة الأشكال الرمزية عند ” كاسيرر ولانجر ” .
- النقد الأدبى
- نشأة الفن وعلاقته بالدين .
علاقة الصورة بالخيال
الصور العنقودية

الفصل الثانى : مرحلة البدايات الراصدة

- رصد الجاحظ لصورة الصراع بين الثور والكلاب
- رصد ابن قتيبة للنموذج الشعرى
- دعوة طه حسين للاهتمام بالأساطير
- دراسة د. عبد المجيد خان
- بحث المستشرق الألمانى ” براونه “
- بحث د. عز الدين إسماعيل
- ارتباط النسيب بالعقائد عند د. عبد الله الطيب
- رأى د. مصطفى ناصف فى الشعر القديم
- د. نجيب البهبيتى : المعلقة العربية الأولى

الفصل الثالث : مرحلة التوثيق

- قصة ثور الوحش وتفسير د. المطلبى
- الصورة والرمز الدينى عند د. نصرت عبد الرحمن
- دراسة د. على البطل للصورة فى الشعر العربى
- التفسير الميثولوجى لـ د. إبراهيم عبد الرحمن
- التشكيل الخرافى والتفسير الأسطورى عند د. أحمد كمال زكى
-د. مصطفى الشورى وشعر الرثاء
- رمز الأفعى للدكتورة ثناء أنس الوجود

الفصل الرابع : المنهج الأسطورى والمناهج الأخرى

- المدخل الوجودى امتداداً لدراسات سابقة
- المدخل البنيوى
- عوامل بروز المنهج الأسطورى
- مزالق المنهج ومآخذ على دراساته
الخاتمة
المراجع

المنهج الأسطورى فى تفسير الشعر الجاهلى أصوله وتطبيقاته دراسة نقدية

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>