مفهوم الشـعر فى مناهج النقد الحديث المنهج الشكلاني

مفهوم الشـعر

فى مناهج النقد الحديث
المنهج الشكلاني

دكتور

عبد الفتاح محمد العقيلي

كلية الآداب- جامعة المنيا

دار حراء للنشر والتوزيع


إهداء

حين عرفتك ربي ..

كان فضلك رب علي عظيما

وحين عرفت عليا ..

كان فضلك رب عليّ أعظم

إليه – أستاذي –

الأستاذ الدكتور علي البطل

عرفانا وشوقا حتي نلتقي


مقدمة

و

إشكالية

حين طرح جاكوبسون R. Jakobson تساؤله الشهير : ما الشعر ؟ كان يعلم جيدا أن تحديد مفهوم للشعر ليس بالأمر الهين ، لأن تحديد ذلك المفهوم يستدعى – بالضرورة – مقابلته بما ليس شعرا(1) ، والحدود الفاصلة بين العمل الشعرى والعمل غير الشعرى متقلبة ، ومتغيرة ، بتغير الموضوعات وتنوع الأساليب ، وتباين العلاقات ، واختلاف آليات التشكيل والمواقف اللغوية .

لذلك أكد ” جاكوبسون ” أن مفهوم الشعر ليس ثابتا ، ولا يمكن أن يكون كذلك ، لأنه يتغير بمرور الزمن ، ذلك أن الفن جزء من النظام الاجتماعى ، وعنصر يتبادل العلاقات مع عناصر أخرى ، ومن ثم فهو عنصر متغير لأن دائرة الفن وعلاقاته مع القطاعات الأخرى فى البنية الاجتماعية علاقات لا تنفك تتغير وتتطور جدليا .

وإذا كانت البنية الاجتماعية بكل ما تحمله من تعقيد أو هيمنة ،
وما تمارسه من تقييد أو عقلنة ، قادرة فى مساحة زمانية أو مكانية ما على

(1)  ما الشعر ؟ رومان جاكوبسون . ترجمة د. بسام بركة ، مجلة العرب والفكر العالمى ، مركز الإنماء القومى . العدد الأول سنة 1988 . ص 2 – 13 .

التأثير بدرجة تقل أو تكثر ، بشكل مباشر أو غير مباشر فى بعض جوانب العمل الشعرى ، بحيث لا يستطيع الإفلات من قبضتها تماما ، فإن الوظيفة الشعرية تظل عنصرا من عناصر الشعر المميزة ، وقيمة من قيم الشعر الأساسية ، التى لا يمكن أن تذوب فى عناصر أخرى ، ولا يمكن أيضا أن تختزل فى قيم أخرى سواء أكانت هذه القيم وتلك العناصر أيديولوجية ، أو نفسية ، أو اجتماعية ، أو تاريخية ، أو غير ذلك .

لقد كان الحديث دائما عن جنس أدبى هو ” القصيدة ” وعن مكون أساسى لتلك القصيدة هو ” البيت ” ثم تداخل المفهوم مع الأثر ، والسبب مع الفعل ، فاختلطت المفاهيم وتعددت الرؤى واتسع المنظور النقدى اتساعا كبيرا مع تعدد مناهج النقد الحديث واتساع مدارسه واتجاهاته .

إن مفهوم الشعر لا يمكن تحديده بدون تحديد عناصر أخرى هى التى تشكل ذلك المفهوم وترسم إطاره ، وتحيط بجوانبه لأنها عناصر وثيقة الصلة به إن لم تكن لحمة نسيجه وسدى خيوطه .

ومن هذه العناصر التى يصعب تحديد مفهوم للشعر بدون مقاربتها وتناولها : الوظيفة واللغة والشكل والأدوات والإيقاعات وغيرها ، ومن ثم فإن محاولة الوصول إلى مفهوم للشعر لابد أن تختلف من منهج نقدى إلى منهج نقدى آخر ، وبخاصة فى ظل تلك القراءات النقدية متعددة الزوايا ، والاتجاهات الأدبية متشعبة القضايا . فمنذ فرق دى سوسير بين اللغة Langue والكلام Parole صار من الضرورى بيان ما يتضمنه مفهوم الشعر من لغة وما تتضمنه تلك اللغة من انحراف أو اختيار ليشكل ذلك اتجاه الأسلوبيين ، أو بيان ما فى الشعر من أنساق وأنظمة وبنى ليقوم على تلك الأنساق والبنى الاتجاه البنيوى أو بيان ما يتضمنه مفهوم الشعر من دوال تحقق التواصل وهو الاتجاه السيميوطيقى … إلى غير ذلك من مفاهيم واتجاهات تتعلق بالنص الشعرى من انعتاقه بموت مؤلفه إلى بناء معناه عبر التلقى / القارئ إلى تناصه مع غيره من النصوص إلى نقضه وتفكيكه
وهكذا .

ومن أبرز المداخل النقدية التى اهتمت بتحديد مفهوم للشعر ، ووضع إطار للشعرية المدخل الشكلانى ، بل لقد عد الشكلانيون المؤسسين الحقيقيين ” لبويطيقا ” حديثة تستند على تخليص مفهوم للأدب يقوم على الأدب نفسه ، وتأسيس وظيفة للأدب تقوم على الأدبية ذاتها ، باعتبار أن الأدب يحوى خصائص مفهومه فى داخله ، ويتضمن وظيفته الجمالية فى ذاته .

ويثير مفهوم الشعر والشعرية عند الشكلانيين إشكاليات متعددة منها : ما يتصل بالعلاقة بين ذلك المفهوم والرؤية الكانتية للفن ، ومنها ما يتعلق بجدلية ذاتية الفن ، واجتماعية النسق ، ثم تبدو أمام البحث إشكالية ربما كانت أكثر أهمية ، تتعلق بمقولات الشكلانية ، واستراتيجياتها النقدية . هل ذهبت تلك المقولات والأسس النقدية أدراج الرياح السياسية والأيديولوجية والنقدية أيضا ولم تعد تمارس تأثيرها فى الساحة النقدية مع الذهاب الرسمى والزمنى والأكاديمى للشكلانية والشكلانيين ؟ أم أن الأمر غير ذلك ؟ بمعنى آخر : هل انتهت الشكلانية ؟

وقد قسمت البحث إلى مدخلين وثلاثة مباحث، أما المدخلان فهما :

  • المدخل الأول :

” فلسفة الشكل فى النقد الأدبى “

كانت العلاقة بين ” البنية ” و” الدلالة ” أو بين ” الشكل ”
و” المضمون ” هى المرجعية الفكرية لظهور تلك الرؤى والآراء حول فلسفة الشكل فى النقد الأدبى منذ الكانتية حتى النقد المعاصر أى منذ
” كانت ” حتى ” بارت ” .

المدخل الثانى :

” نشأة الشكلانية وتطورها “

ويتناول نشأة الاتجاه الشكلانى وتطوره وعلاقة المدارس الشكلانية ببعضها البعض تأثيرا وتأثرا .

وأما المباحث التى تتناول مفهوم الشعر فى المذهب الشكلانى فهى :

  • · المبحث الأول  :

اللغة الشعرية ، مفهومها عند الشكلانيين ، التمييز بين اللغة الشعرية واللغة العملية ، ثم جدلية اللغة والبناء الشعرى من خلال الإغراب وبعث المفردة .

  • · المبحث الثانى :

ويتناول كلا من البنية الشعرية والوظيفة الجمالية وعلاقة كل منهما بمفهوم الشكل ، وما تعنيه ذاتية الوظيفة الجمالية ومفهوم الخاصية المهيمنة والمادة والأداة والعلاقة بين الصوت والمعنى .

  • · المبحث الثالث :

نقد المنهج الشكلى ، وتقويم مقولاته النقدية ومدى قدرة هذه المقولات على البقاء والتأثير فى الساحة النقدية المعاصرة .

والبحث مدين للكثيرين من أساتذتى وزملائى فلكل من قدم عونا أو أسدى معروفا أو مد يدا خالص العرفان وعميق الشكر وعظيم التقدير

والله الهادى إلى سواء السبيل ،،

يعود الاهتمام بالشكل فى فلسفة الفن هذا الاهتمام الذى ترك آثارا واضحة فى النقد الجمالى ، ومن ثم فى مناهج النقد الأدبى الحديث إلى الفلسفة المثالية .

ويعد الفيلسوف الألمانى ” كانت ” Kant ” ( 1724 – 1804م ) من أبرز فلاسفة المثالية ، إن لم يكن أبرز مؤسسيها على الإطلاق .

كان ” كانت ” يولى اهتماما كبيرا فى فلسفته للعمل الفنى فى ذاته ، ذلك أنه كان يرى أن لكل عمل فنى بنية ذاتية وأن جمال هذا العمل يتركز فى هذه البنية ، بغض النظر عن مضمونه ، أو غايته ، أو منفعته .

فالجمال عند ” كانت ” إنما يكمن فى الشكل ، بل إن الجمال المحض يتجلى عنده فى الأشكال التى يختفى فيها كل مضمون لتصبح خلوا من المعنى مثل النقوش والزخارف والزينات المجردة التى لا تحمل معنى فى ذاتها .

وقد يختلط الجمال – عند كانت – بما قد يكون لذيذا ، أو بما قد يكون ذا غاية معينة ، أو قد يكون مقترنا بالخير ولكنه فى كل تلك الأحوال لا يمكن أن يوصف بالجمال المحض ذلك أن اقتران الجمال بأية قيمة أخرى يجعله تابعا لغيره .(1)

وحين يجرد ” كانت ” الجميل من الغاية أو المنفعة أو حتى من قيم الخير، ليجعل جماله فى الشكل فهو بذلك إنما يسعى لتحرير الفن من القيود،

(1)  Kant’s : Critique of Judgment, Trans by : J. H. Bernard, London, 1963, p. 82.

وتخليصه من الأغلال التى قد تفرض عليه من خارجه فتعوق خيال الفنان المبدع ، وتكبل حريته الخلاقة ، وذلك الخيال ، وتلك الحرية هما – فقط – ما يمكن الفنان من تقديم فن لا يخضع إلا لشروط الجمال ، والجمال وحده .

ويقيم هيجل G. W. Hegle    ( 1770 – 1831م ) علاقة امتزاج بين الشكل والروح ، حين يرى أن روح العالم هى مضمون الفن الذى يسعى دائما لكى يتحقق فى أكمل صورة ممكنة من خلال شكل فنى .

إن الشكل عند ” هيجل ” هو أتم صورة يتحقق المضمون من
خلالها ، وحين يتحدث هيجل عن الجمال الخارجى أى جمال الشكل ، فإنه يعتبره تجسيدا عينيا مجردا للمضمون الثرى ، وينطوى جمال الشكل المجرد – لديه – على وحدة تنظم هذا الشكل ، ويطلق ” هيجل ” على هذه الوحدة اسم ” التناظم أو التناسق ” .(2)

فالشكل فى العمل الفنى – تبعا لفلسفة هيجل – يتحقق من خلال تناسق ينظم وحدات هذا العمل ، بحيث يساعد على إدراك الجمال فيه ، وهو – كما يرى هيجل أيضا – إنما يخضع لقوانين المادة التى يصاغ منها ، فهذه المادة – لغة ، أو ألوانا ، أو أصواتا ، أو غير ذلك ، هى التى تشكل حدوده وتحدد معالمه ، وتصبه فى قالبه النهائى وهو شكله الذى يتضمن جماله الحقيقى .

ومن طيات عباءة ” كانت ” ، ومن ثنايا معطف ” هيجل ” ظهر

(2)     هيجل ، فكرة الجمال . ترجمة جورج طرابيشى – الطليعة ، بيروت ، 1982، ص 69

أصحاب النزعة الشكلية ، ويعد ” بندتو كروتشه B. Croce ” ( 1866 – 1952م ) الفيلسوف الإيطالى من أبرز أصحاب هذه النزعة .

لم يكن أصحاب هذه النزعة يقصدون من وراء قولهم إن الفن مجرد شكل Form سوى تأكيد استقلال النشاط الفنى عن كل ما عداه من ضروب النشاط الروحى كالأخلاق أو الفلسفة أو التاريخ .. .(3)

الشكل الفنى عند ” كروتشه ” حدس يتم التعبير عنه ، مستقل استقلالا تاما عن أية اعتبارات عملية أو أخلاقية أو دينية ، وأن الحدس الذى لا يمكن تحقيقه على هيئة ” شكل ” يظل مجرد إحساس أو انطباع .

بل إن ” كروتشه ” يضع قيمة العمل الفنى جميعها فى ” شكله ” لأنه يرى أن الشكل التام الصياغة والمحكم الصنع لابد أن يحوى مضمونا على هذا القدر ، ولذلك تصبح الحقيقة الاستطيقيه – عند كروتشه – هى الشكل ولا شىء غير الشكل .(4)

أما ” بول فاليرى P. Valery ” فهو يؤكد على الشكل بمعنى
الترتيب ، أى على الكلمات وقد اتخذت لها ترتيبا معينا ، حين تتشكل الكلمات بحيث يختفى المضمون نظريا على الأقل ، ولذلك يستحسن فاليرى مقولة ” مسترال ” : ” لا شىء هناك غير الشكل ” ، ويؤيد ” مالارميه ” الذى لم تعد مادة القصيدة بالنسبة له سبب الشكل ، بل هى إحدى النتائج ، ويشيد
(3)   زكريا إبراهيم : فلسفة الفن فى الفكر المعاصر . مكتبة مصر ، ص 51 .

(4)   رينيه ويليك : مفاهيم نقدية ، ترجمة : د. محمد عصفور ، عالم المعرفة ع 110 المجلس الأعلى للثقافة . الكويت ، 1987 ، ص 52 .

” بهوجو ” لأن الشكل عنده هو السيد دائما ، ويقول عن نفسه : ” أنا أضع الشكل فوق المضمون عندما أكون أقرب إلى أفضل ما عندى ، وأميل دائما إلى التضحية بالمضمون من أجل الشكل ” .(5)

وينتهى ” كولردج S. Coleridge ” بتأثير بعض الفلاسفة والنقاد الألمان مثل ” شلنج ” و” شليجل ” إلى أن هناك نوعين من الشكل فى الأعمال الفنية : ما يسميه الشكل العضوى ، والشكل الآلى أو الميكانيكى .

والفرق بين هذين النوعين هو إلى حد بعيد الفرق بين الخيال
والتوهم ، فالشكل العضوى هو الذى يبدعه الخيال ، وهو ينبع من باطن العمل الفنى ذاته ، ولا يفرض عليه من خارجه ، ولذلك يقول ” كولردج ” :
” لو كانت للشعر قواعد تفرض عليه من الخارج لما كان شعرا وإنما تدهور إلى منزلة الصنعة الآلية ” .

ويعتبر ” كولردج ” أن الفنان الحقيقى هو ذلك الفنان القادر عن طريق الخيال على أن يبدع عملا فنيا يتحقق فيه ذلك الشكل العضوى الذى يجمع كل أجزاء العمل الفنى ومكوناته ، بحيث يعتمد كل منها على الآخر اعتمادا كليا ، ويرتبط بعضها بالبعض الآخر ارتباطا وثيقا ، فتنتشر الرؤية الشعرية فى أرجاء العمل الفنى كله وتنعكس فيها جميعا .(6)

والجمال عند ” سانتايانا G. Santayana ” الفيلسوف الأسبانى
( 1863 – 1952 ) لابد أن يقترن بالشكل ، وذلك لأن كل موضوع لابد أن

(5)  نفسه ، ص 53 .

(6)  مصطفى بهجت بدوى : كولردج . دار المعارف . سلسلة نوابغ الفكر الغربى / 15 ص 95 .

يتخذ ” شكلا ” حتى يمكنه أن يؤثر فى نفوسنا ، وأن يلعب دوره فى تشكيل أحاسيسنا ، وليست أهمية الأسلوب فى العمل الفنى ، سوى مجرد تعبير آخر عن أهمية العنصر الشكلى فى الجمال بصفة عامة . وجمال الشكل هو بالذات ما يستهوى صاحب الطبيعة الجمالية – كما يرى سانتايانا – فهذا الجمال بعيد عن الإثارة الفجة التى تبعثها المادة التى لا شكل فيها .. والانغماس فى العاطفة والإيحاءات على حساب الجمال الشكلى إنما يدل على نقص فى الثقافة لا يقل فى حقيقته عن نقص ثقافة الرجل الهمجى الذى يطرب للفوضى البراقة .(7)

أما فلسفة الأشكال الرمزية التى قدمها الفيلسوف الألمانى ” إرنست كاسيرر E. Cassirer ” ( 1874 – 1945م ) فهى تعتبر أن القاعدة الأساسية والمبدأ الحقيقى لتنظيم وضبط ظواهريات الروح هو ” الأشكال الرمزية ” Symbolic Forms باعتبارها أنماطا لنشاط الإنسان ، وتعبيره المبدع ، فهذه الأشكال إنما هى تعبيرات رمزية تبدأ انفعالا يتكثف من خلال الجهاز الرمزى للإنسان ليتحول عبر إرادة تشكيل الواقع إلى فعل يؤدى وظيفة تستمر وتتواصل مع وجود الإنسان نفسه .(8)

وحين يتحدث ” كاسيرر ” عن الفن لا يغفل أن الفن فى جوهره عملية

(7)  د. زكريا إبراهيم : مرجع سابق ، ص 83 .

وانظر كذلك : جورج سانتايانا : الإحساس بالجمال . ترجمة : د. محمد مصطفى بدوى ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2001 ، ص 148 .

(8)       د. عبد الفتاح العقيلى : المنهج الأسطورى فى تفسير الشعر الجاهلى ، ميرانا .
1992 ، ص 83 نقلا عن فلسفة الأشكال الرمزية .

تجسيم أو تحقيق عينى مستمر ، ذلك أن الفن – عنده – لا يبحث فى كيفيات الأشياء أو أسبابها ، بل يرمى إلى تزويدنا بضروب من العيان أو الحدس الذى يكشف لنا عن أشكال تلك الأشياء .(9)

ويبين ” كاسيرر ” أن الشكل الفنى لا ينطوى على أى تكرار للواقع ، كما أنه لا يعيد إلى إدراكنا شيئا كان موجودا من قبل ، وإنما هو فى صميمه كشف حقيقى أصيل قام به الفنان ، لكى يجعلنا نحيا فى عالم الأشكال التجسيمية والموسيقية والشعرية ، وهى الأشكال التى تتمتع بضرب من الكلية الحقيقية التى يكشف عنها خيال الفنان ، وتبعا لذلك فإن الفن كشف حقيقى ، وتأويل جديد للواقع ، ولكنه تأويل يتم عبر بعض الأشكال الحسية ، لا من خلال وساطة الفكر .

ويرى ” كاسيرر ” أننا حينما نخلع على انفعالاتنا وأهوائنا شكلا جميلا ، فإننا عندئذ نحيلها إلى حالة حرة فعالة ، وإذن فإن قوة الانفعال نفسها لابد من أن تستحيل على يد الفنان إلى قوة تشكيلية Formative .(10)

معنى ذلك أن الفنان لابد أن يحول كل صوره الذهنية وحالاته الانفعالية إلى وقائع خارجية تضع تلك الصور والحالات مجسمة فى أشكال محسوسة من إيقاعات أو أصوات أو خطوط أو رسوم أو ألوان أو غير
ذلك ، وهذه العناصر الشكلية فى أى عمل فنى ليست عناصر خارجية أو
(9)       زكريا إبراهيم : سابق ، ص 283 .

(10)  Ernst Cassirer : The philosophy of Symbolic Forms, trans. By : Raiph Manhiem, New Haven, Yale Univ. Press, 1961, V2, p. 197.

وسائط تقنية بل إنها جزء لا يتجزأ من العمل الفنى ، يجسم شكله ويجسد جماله .

وتتقدم ” سوزان لانجر S. Langer ” ( 1895 – 1970م ) خطوة على طريق فلسفة الشكل حين ترى أن العمل الفنى لا يصبح مظهرا حسيا يقبل الإدراك إلا إذا استحال إلى شكل أو صورة .

إن الشكل فى العمل الفنى – عند سوزان لانجر – لابد أن يتخذ طابع العمل الكلى القابل للإدراك ، وسواء أكان شكل العمل الفنى ثابتا كبناء أو لوحة ، أم كان شكلا عابرا كرقصة أو لحن ، أم كان شكلا متخيلا كالشكل الأدبى ، فإن هذا الشكل ينبغى أن تكون له وحدته العضوية واكتفاؤه الذاتى الذى يمنحه جماله المستقل عن غيره من جوانب العمل .

وتشير سوزان لانجر فى كتابها الإحساس والشكل Teeling and Form ( 1953 ) إلى العلاقة الوثيقة التى تربط بين الإحساس والشكل ، وتؤكد أن المعنى الفنى إنما يكمن أولا وقبل كل شىء فى صميم البناء الحسى للعمل الفنى ، ولهذا تجعل المظهر الشكلى للفنون جميعا هو سر جمالها ، ومن ثم يجب الاهتمام بدراسة الشكل لأن كل الفنون إنما تخاطب خيال الإنسان بلغة الأشكال .(11)

ولعل ” هربرت ريد  H. Read ” ( 1893 – 1965م ) من أكثر المفكرين الإنجليز الذين شغلوا بمفهوم الشكل حيث يرى أن خلف موسيقى

(11)                    S. Langer, Feeling and form, London, R. K. P. London, 1953, p. 18.

الكلمات والصور والاستعارات بنية هى تجسيد للكلمات فى نمط أو شكل .(12)

إن للقصيدة – عند ” ريد ” – مثلها فى ذلك مثل اللوحة أو المقطوعة الموسيقية – شكلا فريدا فى نوعه يتألف من الصور والإيقاعات ، وهذا الشكل هو بمثابة تجسيد لمشاعر الفنان ، فضلا عن أنه يشتمل على بعض المعانى التى لا تسير بالضرورة جنبا إلى جنب مع المعانى العقلية أو الدلالات الذهنية المتضمنة فى الألفاظ المستخدمة .(13)

يبدأ النشاط الفنى – عند هربرت ريد – حين يجد الفنان نفسه وجها لوجه أمام الوجود المرئى ، بكل ما فيه من غموض ، وما ينطوى عليه من أسرار ، وما يحويه من مفردات مجهولة بالنسبة إليه ، وأمام ذلك تستفز قواه الباطنة فيحاول معرفة واستكشاف ذلك الوجود ، ومن ثم يبدأ فى تشكيل هذه المفردات وصياغتها فى شكل إبداعى من خلال النفاذ إلى قلب الأشياء ، فالفنان لا يعيد رسم هذه الأشياء كما هى ، ولكنه يخلع عليها ضربا من الوجود يحول كل منها إلى ” شكل ” لم تكن تبدو عليه من قبل .

لقد عبر كثير من الفلاسفة والفنانين عن رأيهم القائل : ” إن الشكل هو الجانب الجوهرى فى الفن ، هو الجانب الأسمى والروحى ، وأن المضمون هو الجانب الثانوى الناقص الذى لم يتوفر له من النقاء ما يجعله واقعا كاملا ” .

(12)  رينيه ويليك : سابق ، ص 55 .

(13)  زكريا إبراهيم : سابق ، ص 339 .

ويرى هؤلاء المفكرون أن الشكل الخالص هو جوهر الواقع ، وأن هناك حافزا يدفع كافة أشكال المادة إلى الذوبان فى الشكل إلى أقصى حد ، أى يدفعها إلى التحول إلى شكل ، وبذلك تحقق كمال الشكل ، ومن ثم تحقق الكمال فى ذاته .

وإذا كان الشكل هو العامل المسيطر على الطبيعة كلها ، فلابد أن يكون هو العنصر الحاسم فى الفن ، وأن يكون المضمون هو العنصر الأدنى والأقل قيمة .

من هذه الرؤية يبدأ ” ارنست فيشر E. Fisher ” دراسة قضية الشكل فى الفن ، محاولا إلقاء نظرة على الطبيعة ذاتها ، متسائلا عما نعنيه بدقة حينما نتحدث عن الشكل الذى تتخذه الكائنات الطبيعية ، وعن مدى صدق القول بأن المادة بجميع أنواعها تسعى نحو شكلها النهائى .

ينظر ” فيشر ” إلى البلورات التى تتكون من ذرات تظل فى حالة حركة دائمة حتى تشكل البلورة وتمنحها شكلها النهائى الذى يحقق الحد الأقصى من التوازن والرسوخ والاستقرار .

إن الفن تشكيل ، أى أنه إعطاء الأشياء شكلا ، فالشكل وحده هو الذى يجعل من الإنتاج عملا فنيا ، وليس الشكل أمرا عارضا أو طارئا أو ثانويا ( كما أن شكل البلورة لا يمكن أن يكون شيئا من هذا ) . وقوانين الشكل وأصوله الاصطلاحية إنما هى تجسيد لسيطرة الإنسان على المادة ، وهى وسيلة للمحافظة على الخبرة البشرية ونقلها للأجيال القادمة ، كما أنها وسيلة للمحافظة على المنجزات السابقة ، إنها النظام الضرورى للفن

والحياة .(14)

ويعتبر ” كلينث بروكس K. Brooks ” أحد أبرز نقاد الشكل الأمريكيين ، بل إنه يعد الشكلى الحقيقى بينهم ” فهو يحلل القصائد باعتبارها بنى قوامها التوتر والمفارقة ..، ويحلل الوحدة السياقية فى القصيدة وكليتها ، وتماسكها ، وتكاملها .. ولا يخضع ” بروكس ” لإغراء التشبيهات البيولوجية الفاسدة ، التى قد يغرى بها المفهوم العضوى للشكل ، ولكنه يتمسك بقوة بشمولية يراها بحق متمثلة فى بنية لغوية شكلية ” .(15)

أما ” جون كوين J. Cohen ” فيرى أنه ينبغى أن نفرق بين الشكل والجوهر ، فالشكل هو مجموع العلاقات التى يستقطبها كل عنصر من العناصر الداخلية للتنظيم ، ووجود هذا المجموع هو الذى يسمح لكل عنصر بأداء وظيفته اللغوية .

ويمكن بنفس الطريقة – كما يرى كوين – أن نميز أيضا فى عنصر المحتوى بين جانبى الشكل والجوهر ، فالجوهر هو الحقيقة الذهنية أو الكائنة ، والشكل هو تلك الحقيقة ذاتها كما شكلها التعبير .(16)

(14)  ارنست فيشر : ضرورة الفن . ترجمة : أسعد حليم . الهيئة المصرية العامة للكتاب . القاهرة . 1998 ، ص 207 .

(15)  رينيه ويليك : مفاهيم نقدية . ص 57 .

(16)  جون كوين : بناء لغة الشعر ، ترجمة : الدكتور أحمد درويش . دار المعارف. القاهرة ، 1993 ، ص 40

ويحاول ” جون كوين ” أن يطبق النظرة الشكلية التى يطبقها البنائيون على اللغة ، على مستوى من اللغة أى على التوصيل ، وينفى
” جون كوين ” صفة العلمية على الشعر حين يرى أن الشعر ليس علما وإنما هو فن والفن شكل وليس إلا شكلا .(17)

ثم جاءت آراء الفيلسوف الألمانى الفينومينولوحى ” ادموند هسرل E. Husserl ” فى القضايا اللغوية ، حيث نظر إلى اللغة باعتبارها النسق المركزى للإشارات ، والنظام الفطرى والطبيعى لكل تعبير مغلف بالمعنى ، كما تعمق ” هسرل ” فى بحث الوظيفة المنطقية للمجموعات الصرفية الأساسية الشائعة فى كل اللغات ، وكانت ثنائيات المعنى فى مقابل الشكل ، والإشارة فى مقابل المرجع ، وما قدمه تلميذ ” هسرل ” ” جوستاف سبيلت G. Spet ” الذى كان على علاقة بالحركة الأدبية آنذاك من تعريف بالأفكار الميتافيزيقية لظواهريات اللغة .(18)

ثم كانت الحركة المستقبلية الروسية التى أعلنت الحرب على جميع الرموز الاجتماعية ، وتبرأت من كل الأصول والأنماط القائمة ، ومن أعلام هذه الحركة ” ف. خلبينكوف V. Khelebnikov ، وأ. كروتشنينج A. Kruchenych وف. ماياكوفسكى V. Mayakovsky ” ، الذين نادوا بحق الشاعر فى الثورة على الموضوعات والمعانى والمفردات ، وحقه فى رفض

كل الأعراف الأدبية ، أما يرى أنه يستحق الرفض منها ، كما اعتقد
(17)  نفسه . ص 61.

(18)  Ann Jefferson : Russian Formalism, Barnes & Noble Books, Totowa, New Hersy, 1982, p. 43.

المستقبليون اعتقادا راسخا فى قيمة الكلمة المفردة ، ورفضوا كل الجدل الدائر حول الروح والمضمون ، ذلك لأن ما يهم عندهم – كما قال كروتشينيج – هو الشكل ولا شىء غير الشكل فهو الذى يحدد المحتوى .

لقد كان التركيز على الشكل الخارجى للنسيج الحى للرمز اللغوى أكثر من القيمة التواصلية لهذا النسيج . ومن ثم فقد كانت أولوية الشكل على المحتوى، لأن الإبداع الحقيقى فى الأدب – عندهم – لا يعتمد على المحتوى، وكانت تلك المعركة هى مقدمة بروز الحركة الشكلية فى مرحلة تالية .(19)

ويغدو الشكل كل شىء عند الشكلانيين الروس بعد ذلك ، حتى إن المضمون ليعد جانبا من جوانب الشكل ومظهرا من مظاهره .

إن ” شكلوفسكى V. Shklovsky ” يعرف الأدب بأنه هو الشكل الخالص ، وإن أكثر ما يدهش فى المنهج الشكلى هو أنه لا ينكر المضمون الأيديولوجى للأدب والفن ، ولكن هذا المنهج يعتبر ما يسمى بالمضمون تجليا من تجليات الشكل .(20)

ذلك المنهج الشكلى هو ما سوف يعرض البحث لظهوره ومراحل تطوره ثم يتناول مفهوم الشعر فى هذا المنهج من خلال الحديث عن
لغته ، وظيفته ، بنيته ومفاهيمه الأساسية .

(19)  Ibid. p. 27.

(20)  Ibid. p. 160.

يحتل المنهج الشكلانى مكانة متميزة فى دراسة الأدب وقد صاحب ظهور هذا المنهج الكثير من الجدل ، باعتباره كان تحديا للعقائد والرؤى النقدية التى كانت مستقرة وشائعة آنذاك .

كانت المضامين الأيديولوجية والاعتبارات الفلسفية والاجتماعية هى المهيمنة على العمل الأدبى وهى المعيار للحكم على هذا العمل بحيث يكون رسالة موجهة ، أو دعاية مذهبية ، أو وثيقة اجتماعية أما السمات الشكلية التى تجعل من الفن فنا ، أو من الأدب أدبا ، فقد تأتى فى مرتبة متأخرة وقد لا تأتى على الإطلاق .

كان المشهد الثقافى والفكرى الأوربى تسيطر عليه الفلسفة الوضعية، وما تدعو إليه من أصالة العلم الطبيعى فى البحث ، وما تحرص عليه من الحتمية إطارا مرجعيا ومذهبيا فى مختلف أوجه الحياة وقضايا الإنسان .

لكن هذا المشهد الثقافى المحكم والصارم لم يعدم من يخرج على النص الوضعى المعد ، ويبتعد عن الإطار الحتمى الملزم ، لتشكل حركته ورؤاه مداخل تؤدى إلى الشكلانية ، ونوافذ تطل عليها ، سواء أكان ذلك
من داخل الحركة النقدية والأدبية الروسية ذاتها أو من خارجها فى أوربا الغربية .

كانت محاولة الكسندر بوتبنيا ِA. Potebnia (1835 – 1896م) – أحد فقهاء اللغة المتميزين – التعامل مع طبيعة الإبداع الشعرى من خلال المعطيات والشروط اللغوية مستدلا على ذلك بأن الشعر والنثر ظواهر لغوية إحدى هذه المحاولات للخروج على النص والإفلات من الحصار .

كانت دراسات ” بوتبنيا ” تركز على الشعر وقضاياه وكان يعرف الشفر بأنه ” تفكير فى صورة لفظية ”

Poetry  is  thinking  in  verbal  images

ولذلك كان يصر على الحاجة إلى قيام تحالف ودى بين دراسة اللغة ودراسة الأدب .

ثم كان انهماك ” بوتبنيا ” فى الديناميات الدلالية للخطاب الشعرى ، دافعا له إلى اعتبار الإبداع الشعرى تحريرا للمفردة الشعرية وتفجيرا لإمكاناتها المتعددة ، بتخليصها من سلطان الفكرة وسيطرتها حتى تصبح قادرة على الاستقلال بذاتها ، لتحقق ذاتيتها الكامنة فى بنيتها الدلالية
المعقدة ، وتتغلب على موضعة الفكر لها بتحويلها إلى مجرد مرجعية ضيقة، أو إشارية محددة إلى شىء خارجها .

لقد كانت ” البوتبنيانية ” Potebnianism – على الرغم من هجوم بعض الشكليين على بعض آلياتها النقدية هجوما اعتمد على نسخ مستهلكة وغير أصلية – مشروعا رائدا ذا صلة وثيقة بالمذهب الشكلى لأنه اهتم باللغة الشعرية ودعا إلى تحرير المفردة اللغوية وركز على الشكل الشعرى معتبرا أن الشعر موقف دلالى موجه لفظيا .

Poetry is sign oriented verbal behavior

ولا شك أن ذلك كله ألقى بظلاله على العقائد النقدية الشكلية بشكل واضح .(1)

(1)                                                                                                                                                                                                         Victor Erlich, Russian Formalism, Mouton & Co., 1955, p. 10.

وبينما كان ” بوتبنيا ” منهمكا فى دراسة الديناميات الدلالية للخطاب الشعرى كان لعالم التاريخ الأدبى المقارن الكسندر فيسيلوفسكى
A. Veselovsky ( 1838 – 1906 ) إسهاماته فى تمهيد الطريق المؤدى إلى المذهب الشكلانى حين أخذ على عاتقه محاولة تحديد الموضوع الحقيقى للدراسة الأدبية رافضا القبول بكثير من مسلمات القرن التاسع عشر الفكرية ليصل فى النهاية إلى ضرورة الاهتمام بدراسة الشعر أكثر من الاهتمام بالشاعر ، والتركيز على البنية الموضوعية والمورفولوجية للعمل الأدبى أكثر من التركيز على العوامل النفسية ، كما أن ” فيسيلوفسكى ” قد استطاع أن يحرر نفسه من الفكرة الآلية للشكل الشعرى باعتباره بنية فوقية أو نتاجا ثانويا للمحتوى ، وهكذا أصبح المشروع النهائى للعالم الروسى
” فيسيلوفسكى ” البحث فى الديناميات الداخلية للشكل الشعرى والعناصر المحددة لطبيعة العمل الأدبى .(2)

واحتلت قضايا الشعر : لغته ، حرفيته ، أسلوبه بؤرة الاهتمام وبخاصة مع ظهور الحركة الرمزية فى الشعر الروسى وما صاحبها من دراسات نقدية كانت تركز على المفردة لا باعتبارها مجرد دلالة ، وتهتم بالشكل لا باعتباره مجرد زينة .

كانت مقالات ” إيفانوف ” V. Ivanov التى تحاول التخلص تماما من ثنائية الشكل والمضمون ، وترفض الفصل القائم بين صوت المفردة
ومعناها ، تفتح الطريق أمام مفهومه للوحدة العضوية حين يصبح الشكل
(2)                                                                                                                                                                                                          Ibid. p. 13.

محتوى ومضمونا ، والمضمون يصبح شكلا ، وتصير العلاقة بين الدال والمدلول ليست مجرد علاقة عشوائية أو تقليدية وإنما تصير علاقة تجانسية عضوية ، وبذلك يتأسس ذلك التوافق الوثيق والترابط المتين بين النسيج اللغوى الشعرى وبين مرجعيته ، ولذلك أصبح من الضرورى الاهتمام بالصور والإيقاعات التى تتضمنها مفردات الشاعر وألفاظه ، وتناول الأوزان وآليات العلاقة بين الأصوات ومعانيها ، وذلك كله يعنى التركيز على قضايا الشكل الشعرى وجوانبه .(3)

وكانت دراسات ” أندريه بيلى A. Bely ” وتقنياته الإحصائية فى تناول الشعر الروسى محاولة للوصول إلى الخواص الشعرية لكل مدرسة أدبية من خلال التعرف على الأدوات الفنية التى تتفرد بها كل مدرسة أدبية ، من الدراسات التى اهتم بها واستخدمها بعد ذلك بعض الشكليين أمثال
” توما تشيفسكى ” و” جاكوبسون ” .

أما ” فاليرى برجوسوف V. Brjusov ” فقد تحاشى الاهتمام بالبعد الصوتى الخالص فى الشعر وركز على الترابط الوثيق بين الجوانب النحوية والمعنوية والصوتية فى لغة الشعر وبنيته ، كما كان من أوائل الدارسين الذين اعتنوا بالوقفات فى البيت الشعرى باعتبارها من العناصر الإيقاعية المهمة .(4)

(3)  Ibid. p. 19.

(4)  Ibid. p. 22.

وكانت الحركة المستقبلية Futurist movement التى أصرت فى إعلاناتها ومنشوراتها على حق الشاعر فى الثورة اللغوية وكذلك فى المعانى والموضوعات والمفردات ، وحقه فى رفض جميع الأعراف الأدبية أو بعضها إن رأى ذلك بدءا من الموضوعات الرومانسية وحتى القواعد
النحوية .

كان صوت التمرد المستقبلى ممثلا فى الشاعر الروسى ” فلاديمير مياكوفسكى V. Majakovsky ” الذى يحاول تحرير شعره من القيود العروضية ، وفى الشاعر ” كروتشنيش A. Kruchenych ” الذى أعلن أن الخطاب الشعرى هو غاية فى حد ذاته وليس مجرد وسيط لنقل العواطف أو الأفكار ، كما أن المفردة الشعرية هى كينونة مكتفية ذاتيا وليست مجرد علامة تشير إلى شىء خارجها .

إن الإبداع الحقيقى فى الأدب – كما يرى كرويتشنيش – لا يعتمد على المحتوى لأن ما يهم هو الشكل ، إنه الشكل الذى يحدد المحتوى ، ومن ثم كان التركيز على الشكل الخارجى للبناء الحسى من الرمز اللغوى أكثر من التركيز على القيمة التواصلية لهذا البناء .

كان ” فيليمير خلبنكوف V. Khelebnikov ” يدرك تماما العلاقة العضوية بين الصوت والمعنى ، وقد عنى ” جاكوبسون ” ببيان ما فى الوحدات الصوتية من قوة معنوية تدل على ما يتمتع به ” خلبنكوف ” من   نضج شعرى من ناحية ، وعلى حرص الحركة المستقبلية الناشئة على تحقيق شعار المفردة المكتفية ذاتيا فالعلاقة المألوفة بين الرمز اللغوى والمرجع تظل واضحة فى اللغة العملية حيث تشير إلى موضوع ما أو تقوم مقامه ، أما فى أشعار ” خلبنكوف ” فإن هذه العلاقة تكون كالصدى الخافت الذى يطغى عليه التفاعل الحى للمفردة بمعانيها الكامنة مع السياق الذى تقع فى داخله ، وما ينطبق على مرجعية الكلمات المفردة ينطبق على مرجعية العمل الشعرى بكامله ، فالعمل الشعرى كما يرى ” ماياكوفسكى ” ليس نسخة من الطبيعة ولكنه تحريف خلاق للطبيعة بالتوافق مع انعكاساتها فى الوعى الفردى .(5)

لقد عبرت الحركة المستقبلية عن ضرورة وجود طرح مناسب للشعرية حين جعلت الشاعر حرفيا Craftsman يصنع الأشعار أى أن الإبداع الشعرى أصبح مسألة تقنية أكثر من كونه حالة هلامية ترتدى مسوح السحر والقداسة وتتخفى وراء التهويمات الميتافيزيقية ، وكانت لمقالات
” ماياكوفسكى ” كيف نصنع الشعر ؟ وآراء ” خلبنكوف ” حول طبيعة اللغة الشعرية ، بالإضافة إلى ما سبق أن أكدته الحركة من اكتفاء المفردة ذاتيا وأهمية الشكل ، والعلاقة العضوية بين الصوت والمعنى ، أكبر الأثر فى ظهور المذهب الشكلانى .

ظهور المدرسة الشكلية  :

——————-

مع بداية القرن العشرين بدأ التغير فى المشهد الفكرى والجو الفلسفى وكان من نتيجته المراجعة الجذرية للأسس الفكرية والفلسفية التى كانت
سائدة ، وقد ألقى هذا التغير بتأثيره على دراسة الأدب ، ومناهج تحليله وتناوله .

(5)     Ibid. p. 28.

وقد لقيت الجوانب الشكلية فى دراسة الأدب اهتماما متزايدا ، ولعل الحلقة الدراسية التى أقامها ” س. فينجيروف S. Vengerov ” أستاذ الأدب الروسى بجامعة بترسبورج حول ” بوشكين ” سنة 1908 تعد نواة مهمة فى الحركة الشكلية الروسية ، إذ أدت إلى ظهور مجموعة من الشباب الذين انشغلوا بدراسة مشاكل وقضايا الشكل الخارجى للشعر .(6)

ولم يكن الاهتمام بالشكل ظاهرة قاصرة على الساحة الأدبية والنقدية الروسية ، بل إن ” ب. مدفيديف P. Medvedev ” يرى أنه وفقا للمنظور التاريخى الشامل ، فإن الشكلية الروسية تعتبر إحدى فروع الحركة الشكلية الأوربية فى دراسة الأدب على الرغم من الاختلاف فى بعض الجوانب النظرية المهمة بين الشكلية الروسية والشكلية الأوربية الغربية .(7)

كان للكشف عن الوحدة البنائية فى العمل الفنى أو ما أطلق عليه
” أ. هيلدبراند A. Hildebrand ” ” البنية المعمارية فى العمل الفنى ” ، وما ظهر من محاولات لتحليل النصوص فى فرنسا على يد ” لانسون ” ، بالإضافة إلى المضامين المنهجية والاستاطيقية التى صاحبت الدراسات الأدبية فى ألمانيا ، صدى فى روسيا التى بدأت تهتم بقضايا اللغة
الشعرية ، وبدأ الشباب من النقاد والباحثين يتجمعون حول رؤية شكلانية للأدب تزيل الجدار الفاصل بين البحث الأدبى وعلم اللغة متبنية مقولة

(6)  Ibid. p. 39.

(7) P. N. Medvedev and M. M. Bakhtin, The formal Method in literary scholarship, the hopkins univ. press, Baltimore and London, 1978, p. 41.

أساسية ترى أن الشعر فى الأساس وقبل كل شىء ” ظاهرة لغوية ” ، وأن اللغة يجب أن تدرس وفقا للوظيفة التى تؤديها فى القوالب والأنماط الكلامية وليس وفقا لأية عوامل خارجية .

تأثر الشباب فى هذه الفترة بالنزعة الوظيفية للفيلسوف الألمانى
” أ. هيسرل E. Husserl ” مؤسس الفلسفة الظاهراتية وبخاصة ما كان يتعلق بالقضايا اللغوية مثل تطور دلالات الألفاظ ، والوظائف المنطقية للمجموعات الصرفية ، ومفهوم النحو الكونى الخالص ” Pure universal grammer ” .(8)

ومن خلال مجموعات نقاش وجدال صغيرة ، فى جو من الحرية الفكرية التى تفرضها أحيانا المناهج الأكاديمية بدأت الحركة الشكلية حركة منظمة حين أسس مجموعة من طلاب جامعة موسكو سنة 1915م ” حلقة موسكو اللغوية ” Moscow linguistic circle ، وبعد ذلك بعام واحد ، فى بترسبورج أسس بعض فقهاء اللغة ومؤرخى الأدب من الشباب
” جمعية دراسة اللغة الشعرية ” التى عرفت باسم Opojaz ” الأبوجاز ” .

حلقة موسكو أسسها مجموعة من الطلاب غير التقليدين فى جامعة موسكو ، كان من أبرزهم ” رومان جاكوبسون R. Jakobson ”
و” بوريس توماتشيفسكى B. Tomashevsky ” ، و” أوسيب بريك O. Brik ” وعندما تبلور اتجاه الحلقة ، برزت قضايا اللغة الشعرية بروزا
واضحا فى دراساتها وطروحاتها ، ولعل من أبرز الدراسات التى قدمت فى

(8)                                                                                                                                                                                                                       Victor Erlich, op. cit., p. 43.

العام الأكاديمى 1918 – 1919م دراسة جاكوبسون حول ” لغة خلبنكوف الشعرية ” التى استطاع أن يتناول فيها بالدرس والتحليل الشعر المستقبلى الروسى على ضوء مفاهيم امتزجت فيها ظاهريات ” هيسرل ” بنظريات
” دوسوسير ” . ومنها كذلك الدراسة التى قدمها ” أوسيب بريك ” حول
” التكرارات الصوتية ” والتى حاول فيها تصنيف التراكيب الجناسية فى حقبة بعينها من شعر القرن التاسع عشر .

أما جمعية دراسة اللغة الشعرية أو ” الأبوجاز ” فقد كانت تضم جماعتين تتميز كل منهما عن الأخرى :

الجماعة الأولى : وتتكون من مجموعة من طلاب اللغة المحترفين من أمثال ” ليف جاكوبنسكى L. Jakubinsky ” .

الجماعة الثانية : وتتكون من مجموعة منظرى الأدب وعلى رأسهم ” فيكتور شكلوفسكى V. Shklovsky ، وبوريس ايخنباوم B. Eichenbaum “، ومن أبرز الدراسات التى قدمتها هذه الجماعة ” بعث المفردة ” Resurrection of the word لفيكتور شكلوفسكى ، و” نظرية المنهج الشكلى ” Theory of formal method لبوريس ايخنباوم .

وقد مرت الشكلانية الروسية بمراحل متعددة يمكن إيجازها فيما
يلى :

  • · سنوات الصراع والجدل ( 1916 – 1920م )  :

يرى ” فيكتور ارليخ V. Erlich ” أنه من الظلم ألا نقر بالدور المهم والريادى لفيكتور شكلوفسكى ، فى ترسيخ عقيدة منهجية فى
الدراسات الأدبية الروسية فى السنوات الأولى من تأسيس جماعة
” الأبوجاز ” .

وعلى الرغم من أهمية الدور الذى قام به ” شكلوفسكى ”
و” جاكوبسون ” فإن الحركة الشكلانية وما نتج عنها من إسهامات إنما كانت نتاج عمل فكرى جماعى يندر أن يكون له مثيل فى التاريخ الأدبى .

لقد صدرت أول سلسلة مقالات تمثل ذلك الجهد الجماعى فى الفترة 1916 – 1919م ، وقد ظهرت المجموعة الأولى تحت عنوان ” دراسات فى نظرية اللغة الشعرية ” وتتضمن إسهامات مجموعة من الشكلانيين منهم : جاكوبنسكى ، وبوليفانوف ، وشكلوفسكى . وتوالت بعدها الدراسات التى تبرز المعالم الرئيسية للمنهج الشكلى ومنها دراسات بريك ، وايخنباوم وجاكوبسون .

ومن السمات البارزة فى إصدارات الشكليين المبكرة محاربة جميع التيارات التى كانت سائدة فى الدراسات الأدبية الروسية ، فقد هاجم
” جاكوبسون ” الميتافيزيقا الرمزية والانتقائية الأكاديمية ، ووصف مؤرخى الأدب التقليدين بأنهم مثل مجموعة من ” رجال الشرطة الذين يقبضون على كل شىء ويوقفون كل شخص دون تمييز ” ، كما أن ايخنباوم أبدى ضجره الشديد من ” الواقعية السيكولوجية الساذجة ” التى يشغل أصحابها أنفسهم كثيرا بحياة الكاتب ، ويرهقون أنفسهم إلى درجة الموت فى البحث عن إجابات لأسئلة غير ذات صلة بالأثر الأدبى .(9)

(9)                                                                                                                                                                                                                      Victor Erlich, op. cit., p. 52.

كما تولى ” فيكتور شكلوفسكى ” مهمة دحض ” البوتبنيانية ” Potebianism التى كانت تقوم على اعتبار الصور والمجازات هى الأطر المحددة للغة الشعرية ، فقد كتب ” شكلوفسكى ” مقالة ” الأدب كأداة ” أو
” الفن بوصفه أداة ” Art as adevice الذى يرى فيه ” أن غاية الفن هى القدرة على رؤية الأشياء ونقل الإحساس بها وإدراكها ، وليس مجرد التعرف عليها ” ، ذلك لأن الفن – بحسب رؤية ” شكلوفسكى – ليس تمثيلا للحياة فى صورة واقعية مجردة ، بل إنه على العكس من ذلك تماما ؛ إنه تحريف مبدع خلاق للطبيعة ، بواسطة مجموعة من الأدوات التى يمتلكها الفنان أو يحتفظ بها فى مخزونه .(10)

وتصبح ” الأداة ” Device وسيلة إبداع العمل الشعرى ، وتشكيل مادته ، وتحريف واقعيته ، هى المفتاح الذى ينبغى أن يستخدمه التاريخ الأدبى إذا أراد أن يكون علما ، ذلك لأن كل مكونات العمل الأدبى الأخرى مثل أيديولوجيته ، أو محتواه العاطفى ، أو سيكولوجية شخصياته ، إنما هى أمور ثانوية .

ومن أهم القضايا التى شغلت الشكلانيين فى تلك المرحلة – انطلاقا من مفهوم ” الفن كأداة – قضية العلاقة بين الصوت والمعنى ، فقد كتب ل. جاكوبنسكى ” أصوات اللغة الشعرية ” ، وكتب بريك ” التكرارات الصوتية ” كما لاقت أولوية الصوت على المعنى فى أنماط بعينها من الكلام اهتماما كبيرا عند ” شكلوفسكى ” ، ومن ثم برزت أهمية الصوت بكونه أداة ذاتية

(10)                                                                                                                                                                                                               Ibid. op. cit., p. 57.

القيمة قادرة على التمييز بين اللغة العملية واللغة الشعرية ، لتكون الأركسة اللفظية Verbal Orchestration فى الشعر ، ليست مجرد حالة هارمونية أو تجانسية تطرق أذن القارئ أو المستمع ، ولكنها النسيج الصوتى الكامل ، الأكثر مادية وواقعية والذى يشكل المبدأ الأساسى للغة الشعرية .

وخلال سنوات الصراع والجدل مع الأعراف والتقاليد الأيديولوجية والانتقائية ، وجه الشكليون كل جهودهم من أجل توضيح وبيان الأهمية القصوى للأدوات البنائية بحيث تراجع كل ما عداها إلى الصفوف الخلفية من المشهد الأدبى والفنى ، ولعل هذا التركيز – بما تميز به من تطرف ومبالغة – هو ما دعا ايخنباوم إلى وصف معظم العقائد التى وضعت خلال سنوات الصراع بأنها لم تكن مبادئ علمية بقدر ما كانت استجابة لمزاج شبابى ثورى يعكس جرس جيل شاب ، وروح حقبة ثورية .(11)

بدأت المقولات الماركسية – وإن لم تكن قد أصبحت بعد عقيدة جامدة – تلقى بأفكارها المتعلقة بأولوية المحتوى ، وبروليتارية الفن ، ولكن هذه المقولات كانت تفتقد الكثير من الدفاع المنظم فى غمرة الفوضى
الثورية ، مما هيأ للحركة الشكلية الناشئة أن تقيم قواعد متينة يستند عليها العلم الأدبى الأكاديمى .

وفى عام 1920م ، أسس ” قسم التاريخ الأدبى ” فى معهد ” تاريخ الفن ” فى بتروجراد . وكان رئيسه ” فيكتور جيرمونسكى V. Zhirmunsky ” الذى يعد من أكثر المتحمسين للحركة الشكلية ، وكان
(11)                                                                                                                                                                                                               Victor Erlich, op. cit., p. 62.

يرافقه عدد ممن ينتمون إلى ” الأبوجاز ” إلى جانب أعضاء جدد تقبلوا المذهب الشكلى مثل ” ب. توماتشيفسكى B. Romashevsky ” و” ج. تنيانوف J. Tynyanov ” و” ف. فينوجرادوف V. Vinogradov ” . واستطاعوا أن يلعبوا دورا مهما فى تطوير هذا المذهب وتعديله ، كما احتلوا مواقع متميزة فى محيط الحركة الشكلية ، من خلال دراساتهم التى بدأت فى الظهور على هيئة سلسلة ” قضايا ومشاكل الشعرية ” واحتوت بين ثناياها على معظم إسهامات الحركة فى قضايا الأسلوب ، والبنية ، والتشكيل الشعرى وغيرها .

  • · مرحلة النمو المضطرب ( 1921 – 1926م )  :

وتتميز تلك المرحلة بوصول الشكلية إلى درجة عالية من النضج ، يتضح فيما وصلت إليه من التوسع فى أبحاثها ، والتركيز على التطبيق من أجل تحقيق مقولاتها النظرية .

وعلى الرغم من الاهتمام الواضح بالأدب النثرى متمثلا فى دراسات فيكتور شكلوفسكى حول ميكانيكية الرؤية والقصة القصيرة ، والحبكة ، تلك الدراسات التى تكاملت فى مجموعة من المقالات بعنوان :  ” نظرية النثر ” ، فقد ظل الشعر هو الاهتمام الأساسى والمحور الرئيسى عند كثير من الشكليين .

لقد شهدت هذه المرحلة تحولات هامة فى مسار الدراسات الشكلية من حيث التركيز على موضوعات معينة فقد ازداد الاهتمام بمفردات الشاعر وصياغاته اللفظية كما ازداد الاهتمام بالدلالات الشعرية Poetic Semantics فقد افترض ” جيرمونسكى ” فى مقاله ” أهداف الشعرية ” أن من الواجبات الرئيسية للمنظر الأدبى دراسة المكرورات اللفظية
” Verbal themes ” تلك المفردات أو التراكيب التى تتكرر فى العمل الأدبى .(12)

لقد بدأت الرؤى النقدية للشكلانيين حول الشكل الشعرى تأخذ فى هذه المرحلة منعطفا نقديا جديدا يحاول تأسيس العلاقة بين الصوت والمعنى ، علاقة تقوم على الوحدة العضوية للبناء الشعرى .

كان من أبرز الدراسات التى تناولت هذا الجانب وحاولت ترسيخه دراسة ” جيرمونسكى ” للشاعر الكسندر بلوك Alexsandr Blok ، ودراسة فينوجرادوف Vinogradov للأساليب والعناقيد اللفظية والألفاظ فى شعر ” أنا أخماتوفا ” Anna Akhmatova .

كان التركيز على العلاقة بين الأصوات Phonetics والدلالات Semantics أمرا ضروريا يؤدى إلى تأسيس العلاقة الحتمية بين الإيقاع Rhythm وبنية الجملة أو النظم Syntax كما أوضح ذلك ايخنباوم فى مقاله ” نظرية المنهج الشكلى ” .(13)

لقد حاول ” أوسيب بريك ” تصنيف الأشكال الإيقاعية التركيبية Rhythmico-Syntactical Figuric التى تتكرر فى الشعر الروسى ،
كما خلص ” جيرمونسكى ” فى دراسته ” تشكيل الشعر الغنائى ” إلى أهمية
(12)  Victor Erlich, op. cit., p. 68.

(13)  Ibid. op. cit., p. 68.

المقطع الشعرى باعتباره وحدة بنائية وإيقاعية أيضا .

اهتمت دراسات أخرى تحديدا بتنظيم وترتيب المادة الصوتية والإيقاعات ، وكان كتاب بوريس كوماتشفسكى B. Tomashevsky
” النظم الشعرى الروسى ” من أبرز الدراسات فى هذا الموضوع ، وقد توجت بدراسة ” رومان جاكوبسون ” ” فى الشعر التشيكى ” التى توضح ملاءمة معايير التطور الدلالى للألفاظ فى التحليل المقارن للأنماط والقوالب الوزنية .

شهدت الأعوام من 22 – 1926م إعادة لتقويم كتاب الأدب الروسى غير التقليدى ومدارسه الأدبية ، ويبدو ذلك فى دراسات ج. تنيانوف J. Tynianov  وليرمونتوف Lermontov وجيرمونسكى حول الشاعر الروسى ” بوشكن ” ، بالإضافة إلى دراسات كثيرة أخرى ، أسهمت إسهاما كبيرا فى تحويل الشكلية ، من مجرد شلة نقدية حسب تعبير إرليخ إلى حركة نقدية تجتذب الكثيرين من باحثى الأدب بغض النظر عن خلفياتهم وانتماءاتهم المنهجية أو الفنية .(14)

كانت العلاقة بين اللغة والأدب تمثل جوهر الاختلاف بين قطبى الشكلانية ، فبينما كان زعماء الأبوجاز مؤرخى أدب وجدوا ضالتهم فى مجموعة من الأدوات المفاهيمية لاستخدامها فى القضايا الأدبية ، كان الموسكوفيون طلاب لغة وجدوا فى الشعر الحديث ضالتهم لاختبار مفاهيمهم وفروضهم النظرية . حتى غدا الشعر عند جاكوبسون ” لغة فى وظيفتها
(14)                                                                                                                                                                                                           Ibid. p. 73.

الجمالية ” ، وهكذا أصبحت الوظيفة الكلامية أو الغاية من فن التشكيل اللغوى اهتماما أساسيا .

لقد أصبح المنهج الشكلى النظرية العلمية المشروعة الوحيدة بل الرؤية العالمية الناضجة الكاملة التى نفضل أن يطلق عليها الشكلانية Formalistic كما يرى جيرمونسكى ، ومن ثم فقد نادى ” جيرمونسكى ” بالتعددية المنهجية ، فإذا كانت صيغة ” الأدب أداة ” صيغة صالحة ما دامت تتضمن الحاجة إلى دراسة العمل الأدبى كنظام جمالى تحدده وحدة غايته وهدفه الجمالى كنظام من الأدوات فإن هذه الصيغة – كما يرى جيرمونسكى – يمكن أن تتصالح منهجيا مع الصيغ المساوية لها مثل : الأدب نتاج نشاط روحى ، الأدب حقيقة اجتماعية ، الأدب ظاهرة أخلاقية أو دينية أو معرفية .

وعلى الرغم من أن هذه النزعة التصالحية كانت تنم عن إحساس  نقدى قوى ، فقد كان من غير الممكن بالنسبة لرؤية الشكلى الإدعاء بإمكانية وجود مناهج متعددة فى البحث الشكلانى دون تأسيس موقع لكل منهج فى المشروع الشكلى العام ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن محاولة إيجاد مجرد التعايش بين العناصر الجمالية والفوجمالية Esthetic and Extra Esthetic elements فى العمل الأدبى تظل محاولة انتقائية أكاديمية لا يلجأ إليها الشكلانى الحقيقى كما رأى ايخنباوم .(15)

كانت تلك المرحلة مرحلة ازدهار ونمو حقيقى للمدرسة الشكلانية ، جذب الانتباه إليها من ناحية ولكنه استفز القوى والمجموعات النقدية المنافسة

(15)  Ibid. p. 77.

للشكلية ولعل أبرز هذه القوى المادية التاريخية التى اعتبرها النقاد السوفييت المنهج الوحيد المشروع لدراسة الأدب .

لقد كانت النزعة الشكلية برؤاها ومقولاتها النظرية فى تناقض حاد مع التفسير الماركسى للأدب ، كانت تفسيرات جاكوبسون وتطبيقات شكلوفسكى التى تنكر أية اعتبارات أيديولوجية ، أمرا بغيضا فى رأى المنظرين الذين يرون الأدب سلاحا مهما وفعالا من أسلحة الصراع الطبقى ووسيلة مؤثرة لتشكيل وقولبة النفسية الاجتماعية ، ومن ثم فقد تصدى النقاد الماركسيون فى الأعوام 1924 – 1925م لمقولات الشكلانيين ، وفروضهم المنهجية .

كان ليو تروتسكى L. Trotsky من أكثر الماركسيين حدة فى نقد الشكلية من خلال كتابه ” الثورة والأدب ” يعترف ” تروتسكى ” فى فصل من كتابه بعنوان ” المدرسة الشكلية فى الشعر ” بأن جانبا من البحث الشكلانى كان ذا فائدة على الرغم من رجعية النظرية الشكلية ، فى الأدب وتضيقها مهمة الباحث الأدبى إلى حد الاكتفاء بالتحليلات الوصفية وشبه الإحصائية لكلمات أو حروف أو مقاطع أو نعوت .(16)

وعلى الرغم من أن آراء ” تروتسكى ” كانت تحمل الكثير من
التجنى ، وعدم الدقة ، حيث اهتم الشكلانيون بالاعتبارات الجمالية ولم يقفوا عند مجرد إجراء الإحصاءات ، فإن تروتسكى كان يجيد العزف على أوتار
الثقوب التى كان يتصيدها فى مقولات شكلوفسكى تارة أو فى آراء ايخنباوم

(15)                                                                                                                                                                                                             Ibid. p. 79.

تارة أخرى ليصف هذه المقولات وتلك الآراء بأنها فذلكات فلسفية مثالية تنتمى إلى الكانتية الجديدة ” النقاد الشكليون ” ” كانتيون جدد ” New Kantian حتى وإن لم يدركوا ذلك ، الشكليون أتباع القديس يوحنا الذين يقولون ” فى البدء كانت الكلمة ” لكننا نعتقد أنه فى البدء كان الفعل ، وتتبعه الكلمة ظله الصوتى .(17)

ومع انتقادات ن. بوخارين N. Bukharin التى ترى أن عمل الشكليين ليس أكثر من إعداد قوائم لأدوات شعرية فردية ، وتصنيفات أ. لوناتشارسكى A. Lunacharsky التى ترى النقد الشكلى نوعا من الهروب أنتجته طبقة عقيمة ومتفسخة روحيا .

بدأت العلاقة العدائية بين الشكلية والماركسية والتى أوضحها ايخنباوم حين أعلن أن الشكلية والماركسية ليستا متساويتين فى المفاهيم ، فالأولى مدرسة داخل النسق الإنسانى الفردى ( الأدبى ) والثانية فلسفة مادية تاريخية وبينما تبحث الشكلية فى الأدب وتتناول تطور الأعراف والأشكال الأدبية ، فإن الماركسية تبحث فى ميكانيكية التغير والتطور الاجتماعى .

وإذا كان المادى التاريخى يركز على الأسباب الخارجية أو ما يسمى بالعوامل التحتية سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية فإنه لا توجد ظاهرة ثقافية يمكن أن يتم اختزالها إلى حد اشتقاقها من الحقائق الاجتماعية خارجة عنها ، لأن ذلك – فى رأى ايخنباوم – يعنى إنكار ذاتية الأدب وديناميته الداخلية .

(16)                                                                                                                                                                                                             Ibid. p. 82.

حاول عدد من المنظرين فى مجال الأدب إيجاد أرضية مشتركة للتلاقى بين إصرار الشكليين على الأداة الفنية Artistic device والدياليكتيك الماركسى Marxist dialectics مثل محاولات أ. زيتلين A. Zeitlin التى حاول فيها المزج بين المهام الماركسية طويلة الأجل وبين البرنامج الشكلانى قصير الأمد ، بحسب رؤيته ، ومحاولات م. ليفيدوف M. Levidov التى ترى أن الجهود المتضامنة لدى الشكلانى والسسيولوجى هى وحدها القادرة على إنتاج مدرسة أدبية ماركسية بمعنى الكلمة .

ومن أبرز محاولات التوفيق بين الصيغة الشكلية والصيغة الماركسية محاولة ب. ارفاتوف B. Arvatov فى دراسته ” المنهج السسيولوجى – الشكلى ” التى تقدم توليفة لشكلية متطرفة وماركسية خام بدلا من اختزال مقولات مدرستين مختلفتين اختلافا واسعا .

” لم ير ارفاتوف فى العمل الأدبى انعكاسا للواقع الاجتماعى ولا تعبيرا ذاتيا للمبدع ، لكنه كان يراه شيئا مصنوعا أو مخترعا بواسطة تطبيق بارع للمهارة الفنية فى وسط مادى معين” ، لقد ذهب ” أرفاتوف ” إلى الحد الذى أنكر فيه أى فرق بين الإنتاج الأدبى والأنواع الأخرى من الإنتاج ، ومن ثم فقد أدان الشكليين لاهتمامهم بالإنتاج الأدبى إلى الحد الذى فشلوا فيه فى الربط بين صناعة الشعر والأساس الاقتصادى للمجتمع ، لأن السسوسيولوجى الشكلى يدرك أن المادة والشكل فى العمل الأدبى مشروطان بالمناهج السائدة لإنتاج العمل واستهلاكه ، وهما ما يجددهما نوع الاقتصاد السائد فى مرحلة معينة .(18)

(17)                                                                                                                                                                                                        Ibid. p. 90.

  • · مرحلة ” الأزمة والتراجع ” 1926 – 1930م  :

كانت تهمة إنكار أثر المجتمع على الأدب هى السيف المسلط على رقاب الشكليين من أعدائهم الماركسيين وغيرهم ، وعلى الرغم من أن هذه التهمة كان لها ما يبررها من مقولات الشكلانيين وبخاصة فى المرحلة المبكرة للحركة الشكلانية ، فإن هذه المقولات ربما لم تكن تدل دلالة حقيقية على التوجه الفكرى للحركة الناشئة بقدر دلالتها على الرغبة فى إحداث صدمة نقدية تحرك واقعا نقديا مادى النزعة نفعى التوجه ، فكان
لابد من المبالغة فى تجريد الأدب من كل عنصر ليس منه ، وعزله عن
كل مؤثر ليس فيه – بزعم الشكليين – لزيادة سقف المساومة الأدبية والفكرية حول هذه القضية مع المذاهب والمدارس الأخرى فى الساحة الأدبية
والنقدية .

وبدأ الشكليون يتحولون شيئا فشيئا عن مواقفهم الأولى ، حين دعا
” ماياكوفسكى Mayakovsky ” الذى طالما أشاد بمساهمات الأبوجاز إلى إلقاء المزيد من الضوء والاهتمام على الاعتبارات الاجتماعية .

كان أول أعراض النزوع المتزايد للشكلية نحو المجتمعية Sociologism هو ما نجده فى ” المصنع الثالث ” The third factory
” لشكلوفسكى ” سنة 1926م حيث كان الكتاب دليلا على أزمة منهجية وروحية واضحة ، تبدو من خلال تأرجح واضح من أجل التجاوز إلى ما وراء الشكلية ، المحضة من أجل موقف أكثر شمولية ، وأشد قربا من المطالب الاجتماعية Social denands للعصر .

لقد كتب شكلوفسكى معترفا بما اقترفه من إهمال ” للمتتابعات الفوجمالية Extra-esthetic series ” لأن التغييرات فى الأدب يمكن أن تحدث بالفعل وفقا لعوامل فوجمالية أو ” اكستراستاطيقية ” إما لتأثر اللغة بلغة أخرى أو لأن متطلبات وحاجات اجتماعية جديدة قد أثيرت لم يعد ثمة ضرورة لهذا الحد الفاصل بين الأدب والحياة أو بين ما هو جمالى وغير جمالى .(19)

بعد هذه الخطوة النقدية التراجعية من ” شكلوفسكى ” ، فقد قدم لنفسه ولغيره من الشكلانيين المبرر الصالح للالتجاء إلى معايير لا أدبية فى التحليل النقدى .

وفى مقاله ” الحقيقة الأدبية ” The literary fact حذر “تنيانوف” من التحديدات الجامدة ، والتعريفات المسبقة للأدب والظواهر الأدبية فأكد أنه يمكن إيجاد فرق واضح بين ما هو أدب وما هو غيره فى أية مرحلة من المراحل ، وأن الفاصل بين الأدب والحياة يكون مرنا قابلا للتحول من مرحلة إلى أخرى ، والأدب بحسب رؤية ” تنيانوف ” لا يعكس صورة الحياة ولكنه يتداخل معها .

ويوضح ” تنيانوف ” فرضيته حول توافق الأدب وتداخله وتخاصبه المتبادل مع الأعراف والتقاليد ” Mores ” بتقديم عدد من الأمثلة من الأدب الروسى .

لقد كان المدخل الشكل – اجتماعى Socis-Formalist approach

(18)                                                                                                                                                                                                           Ibid. p. 98.

الذى اختاره ” شكلوفسكى ” لدراسة ملحمة ” تولستوى ” الحرب والسلام يعتمد
على شروط التوتر بين الطبقة Class والنوع Genre ، حيث يرى أن
” الحرب والسلام ” نتاج الصدام بين الرواية شكلا أدبيا أعاد إليه تولستوى الحيوية ، وبين المتطلبات الاجتماعية دارت فيها أحداث الرواية ، ويبدو أن هذا الإطار النقدى القائم على التفاعل الديناميكى بين الطبقة والنوع كان أكثر ملاءمة من الإطار القديم القائم على دجماطيقية الأدب مقابل المجتمع .

ولم يكن ” شكلوفسكى ” الأبوجازى الوحيد الذى اختار توليفة
” الشكل اجتماعى ” فقد كان ثم محاولة تصالحية أخرى قام بها ” ايخنباوم فى مقاله Literature and literaiy mores ” الأدب والأعراف الأدبية سنة 1927 م.

فقد شارك ايخنباوم شكلوفسكى وتنيانوف عدم الرضا عن التجريد الخالص فى تناول الأدب ، ورأى أن الأعراف الأدبية Literary mores يمكن أن تمد جسرا طبيعيا يوصل بين الدراسات الأدبية وعلم الاجتماع ، وقد لعب هذا المصطلح دورا أساسيا فى كتابات ايخنباوم المتأخرة حيث تناول مجموعة من القضايا معتمدا على الوضع الاجتماعى للمؤلف وظروف
عمله ، ومن ثم فقد ربط بين اعتبارات اقتصادية واجتماعية من ناحية وبين ظواهر فى المشهد الأدبى من ناحية أخرى .

وبدلا من أن يصبح العلم الأدبى فرعا من فروع التاريخ الاجتماعى – كما هو الحال عند المنظرين الماركسيين – فإن الاجتماع قد تم حقنه داخل الأدب كى تتم ترجمته إلى مصطلحات أدبية ، ومن ثم فإن الأدب – بحسب رؤية ايخنباوم الجديدة – لا يعتبر جزءا مكملا للمبنى الاجتماعى ، أو ناتجا لقوى اجتماعية خارجية ، ولكنه أى الأدب مؤسسة اجتماعية بخواصها ، ونسق اقتصادى بذاته .

وعلى الرغم من أفكار ” ايخنباوم ” و” تشكلوفسكى ” التى حاولت أن تقيم بين الأدب والاجتماع وبين الأدب والاقتصاد صيغا تقاربية معينة فإن النقاد الماركسيين قد انتقدوا هذه الآراء وأصحابها بشدة واعتبروها محاولة لحل معضلة ” الأدب مقابل المجتمع ” اعتمادا على تجريبية
ضيقة ، حتى جاءت دراسة ايخنباوم عن ” تولستوى ” سنة 1928م ، التى اهتم فيها بتفاصيل سيرته وعلاقاته بأصدقائه وميوله ونزعاته وعلاقة ذلك كله بأسلوبه وأدبه ، ليعلن ايخنباوم فى نهاية الأمر أنه ” لا عيب فى أن يعدل المرء موقفه المبدئى ” .(20)

وعلى الرغم من محاولات جاكويسون ، وتنيانوف الجادة من أجل إيجاد مخرج من المأزق الذى وصلت إليه الحركة الشكلية من خلال تبنى نسخة شكلية جديدة فى طبعة تشيكية معدلة ، فإن نهاية العشرينيات تعد نقطة التحول فى الحركة الشكلية حين عجز أصحابها تماما عن الدفاع عنها تحت وطأة ما تعرضوا له من ترويع سياسى وتخويف فكرى ، حتى انصرفوا إلى مجالات أخرى من الكتابة والتأليف . بعد أن عدت الشكلية اتجاها رجعيا وهرطقة فكرية يجب القضاء عليها .

(19)                                                                                                                                                                                                        Ibid. p. 108.

كانت الوضعية الأدبية فى القرن التاسع عشر قد أسست مفهوما للشكل الأدبى ، يقوم على اعتبار الأدب نتيجة لظروف خارجية : اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية أو تاريخية ، أو اعتباره نتاجا لنفسية المؤلف وحالته المزاجية أو انعكاسا لسيرة حياته الفردية .(1)

وجاء المذهب الشكلانى ليباعد بين الفن وبين ذلك كله ، وليقطع العلاقة تماما بين الشعرى وغير الشعرى ، وبين الأدبى وغير الأدبى ، لذلك أغفل الشكلانيون أى دور يمكن أن تؤديه سيرة الشاعر أو تاريخه أو آراؤه ، أو ما صاحب حياته من ظروف ، أو ما عاصر من فلسفات وعلوم فى الأثر الأدبى ، بل إن المذهب الشكلانى رأى أن الحياة والفن ضدان لا يلتقيان .(2)

وكانت هذه الرؤية متسقة مع الاتجاه العام الذى أخذ به الشكلانيون ، فقد كان اهتمامهم منصبا على الشعر باعتباره لغة ، ولغة فقط ، دون اعتبار لأى عامل خارجى آخر .

يشير بيان ” جيرمونسكى Zhirmunsky إلى انشغال الشكلانيين باللغة حين يحدد بوضوح ” إن مادة الشعر ليست هى الصورة ولا المشاعر ولكنها المفردات ثم يقرر فى صرامة واضحة ” إن الشعر فن لفظى Poetry is verbal art ” .(3)

(1)  Alan Suingewood : Sociological poetics, Macmilan . Press, 1986, p. 11.

(2)  Ibid : p. 18.                                                                                         (3)  Victor Erlich : p. 148.

وهذا الفن اللفظى قوامه اللغة ، وقد أدرك الشكلانيون أن اللغة حين تكون شعرا فإنها تقع تحت وطأة نوع من الانتهاك المنظم ، ويحدد
” جاكوبسون ” ذلك المعنى بقوله : ” الشعر انتهاك منظم ويرتكب فى الكلام العادى(4) Poetry is organized Violence committed on ordinary speech ” .

ومع مقولة ” جاكوبسون ” نصل إلى ملمح مهم من ملامح لغة الشعر فى المذهب الشكلانى ، حين ميز الشكلانيون بين مستويين من مستويات
اللغة : اللغة العملية Practical language ، واللغة الشعرية Poetic language .

وقد كان هذا التمييز ضروريا فى نظرهم ، لأنه يمكنهم من تحديد السمة المميزة للشعر ، أى الخاصية الشعرية ، تلك الخاصية التى تجعل من عمل ما عملا شعريا .

فاللغة العملية لغة معلوماتية ، وهى أيضا لغة محايدة من الناحية الجمالية ، وغير منتظمة ، هى لغة تواصل ، ولذلك لا يلقى كبير اهتمام للأصوات أو للبنية اللفظية فيها .

فى اللغة العملية تكون المفردة رمزا عديم اللون أو مدخلا لشىء ما ، أو مجرد ديباجة ، بينما توصف اللغة الشعرية بأنها لغة فى شكل جمالى ، كما يوصف الشعر بأنه ” تشكيل جمالى للغة ” .(5)

(4)  Victor Erlich : p. 189.

(5)  Ibid : p. 155.

يؤكد ” ب. توماشيفسكى B. Tomashevsky ” أن اللغة الشعرية واحدة من الأنظمة اللغوية التى تتراجع فيها الوظيفة الاتصالية ، لأن البنية اللفظية تكتسب قيمة مستقلة بذاتها فتصبح ذاتية القيمة(6) ، تمارس فى داخلها نشاطا تعبيريا يميزها بقدر عال من المدركية والتأثير .

المفردة اللغوية فى الشعر ليست مفردة مرجعية تحيل إلى شىء ما ، وليست بديلا عن موضوع ما ، أو ظلا لذلك الموضوع ، لأنها حين تصبح مفردة فى لغة شعرية تصبح مرجعا وموضوعا فى حد ذاتها .

يسوق ” ف. شكلوفسكى Victor Shklovsky ” مثالا طريفا على الفرق بين اللغة العملية واللغة الشعرية مبينا أن اللغة الشعرية تجعل من اللغة العادية لغة غير عادية يقول: ” المشى على سبيل المثال – لا الحصر – هو نشاط نمارسه فى حياتنا اليومية ، وقد توقفنا عن إدراكه والإحساس به ، لكن عندما نرقص فإن الإيماءات التى ربما نؤديها بشكل آلى فى المشى ، يمكن إدراكها باعتبارها شيئا جديدا ، ومن ثم يكون الرقص بحسب تعبير
” شكلوفسكى ” هو ” المشى الذى تم تشكيله ليتم الإحساس به وإدراكه ” .(7)

لقد تم تنظيم المشى وتشكيله ليصبح رقصا ، وبالطريقة ذاتها يتم تشكيل اللغة العادية أو العملية لتصبح شعرا ، ومن هنا نقول إن المشى حين أصبح رقصا تحول إلى فن أى أنه صار أكثر صعوبة ، وأقل مباشرة وأعمق حسا وإدراكا .

(6)  Victor Erlich : p. 156.

(7)  A. Jefferson & D. Robey : Modern literary theory, Dannes & Noble books, New Jersey, 1982, p. 19.

الشعر – إذن – عند الشكلانيين هو تحويل للحديث العملى من خلال حيل ووسائل وتراكيب معينة ، تكون نتيجتها ذلك الفن التلقائى المستقل المتكامل فى صورة نسق أو تشكيل أو بنية جمالية .

ولعل هذا التمييز بين الكلام العادى والكلام الشعرى يدل على تأثر واضح بأعمال ” فردينان دوسوسير F. Desaussure ” وبخاصة مفهومه عن اللغة La langue باعتبارها كلا متكاملا ، مستقلا بذاته ، وباعتبارها نسقا تحكمه أعراف وقواعد داخلية ، وباعتبارها – أيضا – بنية شكلية مترابطة منطقيا ، تختلف اختلافا تاما عن التعبيرات الكلامية التى تمارس فى الحديث اليومى La Parole .

يرفض ” دوسوسير ” الأساليب التاريخية والسيكولوجية ، والسببية فى التفسير مؤكدا أن اللغة تشكل ظاهرة اجتماعية ، ولكنها – من خلال أعرافها وقوانينها – تمارس تأثيرا مقيدا على الأفراد حيث تتواجد باعتبارها بنية مستقلة ، عن الأفراد المتحدثين بها ، والذين تمثل تعبيراتهم الكلامية مجرد انعكاسات غير دقيقة للبنية الكلية المتكاملة .

وباعتبارها جزءا من علم العلامات Semiology الذى عرفه
” دوسوسير ” بأنه دراسة حياة العلامات فى المجتمع فإنه يرى أن اللغة ليست بمثابة مرآة تعكس واقعا خارجيا كما يرى أصحاب المذهب الوضعى بل الأحرى أن اللغة تشكل مجالا أو حقلا للمعنى والدلالة لا يكون للتطورات فيه أى معنى إلا فى ضوء وظائف اللغة وعلاقاتها مع العناصر الأخرى فى النظام اللغوى .

ومن ثم فإن كلا من نظرية ” دوسوسير ” فى اللغة والرؤية الشكلانية فى الشعر ؛ ترفض جميع أشكال التفسير التاريخى والتطورى والماهيوى ، حيث ينصب التركيز على البنية الداخلية الخاصة بالموضوع أو بالموضوعات قيد الدراسة .(8)

فالشعر عند الشكلانيين يعنى الاستخدام الأدبى الأمثل للغة العادية ، باستخدام تقنيات تحول هذه اللغة العادية إلى لغة شعرية ، لتصبح لغة ذاتية القيمة ، أى مكتفية فى ذاتها دلاليا وجماليا .

فى تعريف ” جاكوبسون ” للشعر يقول : عندما تتجلى الشعرية – أى وظيفة شعرية ذات أهمية حاسمة – فى عمل أدبى عندئذ نتكلم عن الشعر ، ولكن كيف تتجلى هذه الشعرية ؟ إنها تتجلى فى إدراك الكلمة لا باعتبارها كلمة ، ولا باعتبارها مجرد بديل عن الشىء المسمى ، ولا كتفجير للعاطفة ، إنها تتجلى لا فى كون الكلمات ونحوها ومعناها وشكلها الخارجى والداخلى علامات لا مبالية للواقع بل فى كونها تمتلك وزنها الخاص وقيمتها
الذاتية .(9)

لقد كانت المقابلة بين اللغة الشعرية واللغة العملية إحدى ركائز النسق المنهجى الذى قام عليه مفهوم الشعر فى المذهب الشكلانى وقد صاغ
” ياكوبنسكى L. Yakoubinsky ” هذه المقابلة على النحو التالى :

(8)  Alan Surngewood, op. cit., p. 13.

(9)   رومان جاكوبسون : ما الشعر ؟. مجلة العرب والفكر العالمى . ع1، 1998 ، ص 13 .

” إن الظواهر اللسانية ينبغى أن تصنف من وجهة نظر الهدف الذى تتوخاه الذات المتكلمة فى كل حالة على حدة ، فإذا كانت الذات المتكلمة تستعمل تلك الظواهر بهدف عملى صرف أى للتوصيل ، فإن المسألة تكون متعلقة بنظام اللغة اليومية ، حيث لا يكون للمكونات اللسانية ( الأصوات ، عناصر الصرف … ) أية قيمة مستقلة ، ولا تكون هذه المكونات سوى أدوات توصيل ، ولكنا نستطيع أن نتخيل أنظمة لسانية أخرى – وهى موجودة بالفعل – حيث يتراجع الهدف العملى إلى المرتبة الثانية – مع أنه لا يختفى تماما – فتكتسب المكونات اللسانية إذ ذاك قيمة مستقلة .(10)

ومن هنا يكون التمييز بين اللغتين : اللغة الشعرية واللغة اليومية قائما على أساسين اثنين :

الوظيفة ، والقيمة الذاتية ، فإذا هيمنت الوظيفة الاتصالية فتلك هى اللغة اليومية ، وإذا تراجعت لتحل محلها الوظيفة الشعرية فى اللغة ، فتلك هى اللغة الشعرية ، وإذا لم تكن اللغة سوى مجرد مرجعية إشارية لشىء خارجها فتلك هى اللغة اليومية ، أما إذا اكتسبت قيمة ذاتية فقد أصبحت عندئذ لغة شعرية .

أما الأساس الأول فيدفع إلى القول : إن اللغة اليومية لغة عملية ، تقوم بوظيفة معينة ، تتعلق بمرجعيتها التى تشير إليها ، أو تحقق اتصالا بين مستخدميها ، أو تنقل فكرا معينا فهى وسيلة لتحقيق غاية من هذه الغايات .

(10)          إبراهيم الخطيب ( ترجمة ) : نظرية المنهج الشكلى . نصوص الشكلانيين
الروس . الشركة المغربية للناشرين المتحدين، مؤسسة الأبحاث العربية، 1982 .

ويشير الأساس الثانى إلى أن اللغة الشعرية لا تدل على مرجعية معينة من خارجها ، ولا تقدم تبريرا إشاريا لوجودها فى سياقها الشعرى ، لأنها مستقلة ، فهى – إذن – ليست وسيلة لغاية معينة ، ولكنها غاية فى حد ذاتها فهى ذاتية الغائية أو مكتفية ذاتيا Self-Sufficient .

إن التأكيد فى اللغة العملية يظل دائما فى اعتبارها مرجعا أو دليلا على واقع تشير إليه ، ومن ثم فإن أية ملامح شعرية كالقافية والجناس وغيرها تظل أمورا ثانوية بالنسبة للهدف التواصلى ، وعلى النقيض من
ذلك ، فإن مرجعية اللغة الشعرية فير ذات صلة ، ومن ثم يظل التأكيد دائما على وسائط التعبير ذاتها ،لذلك يكون اللفظ الشعرى بلا روابط وظيفية مع السياق الحقيقى الذى أنتج فيه هذا اللفظ فليس من المفروض فيه أن يعود على أى جانب من جوانب وجود منتجه .

وعلى الرغم من أنه قد تكون هناك أوجه شبه بين الألفاظ التعبيرية العاطفية وبين اللغة الشعرية ، فإن هناك فرقا جوهريا وراء التشابه الظاهرى بينهما ، فالكلام العاطفى يكون الحكم عليه بتأثير قائله ، بينما يكون الحكم على اللغة الشعرية من خلال أعرافها وقوانينها الداخلية ، لأن اللغة فى الشعر – بحسب رؤية الشكلانيين – لا تشير إلى ما وراءها ، ولا تحمل أى وزن عاطفى يتعلق بمستخدمها .

والسؤال الذى يطرح نفسه : كيف يمكن تحويل لغة ما من مستواها العملى إلى المستوى الشعرى ؟ أو بعبارة أخرى ما التقنيات الانتهاكية التى تمارس على اللغة العادية لتتحول إلى لغة تتحقق فيها سمة الشعرية كما يراها الشكلانيون ؟

أولى هذه التقنيات الانتهاكية هو : بعث الكلمة المفردة Resurrection of the word  ؛ ويعود الاهتمام بقيمة المفردة ودورها الشعرى إلى الحركة المستقبلية التى سبقت حركة الشكلانيين ، وربما كان للشعراء المستقبليين تأثير على الحركة الشكلية فى نواح نظرية كثيرة ، وفى رؤى مذهبية فنية متعددة .

كانت المناهج النقدية قبل ظهور الشكلانيين تركز على المفردة باعتبارها وسيطا لنقل الفكرة أو توصيلها ، أى أن هذه المناهج كانت تعتبر المفردة مجرد دلالة ، وكان الشكل ينظر إليه باعتباره مجرد زخرفة أو زينة يمكن تجاوزها دون الإخلال بأداء الكلمة أو المفردة لوظيفتها التوصيلية .

حاول بعض النقاد الرمزيين مثل ” ايفانوف V. Ivanov ” و” أندريه بيلى A. Bely ” و” فاليرى برجوسوف V. Brjusov ” التحرر من أسر الرمزية تحت وطأة هجوم الشعراء المستقبليين فقد كان مفهوم ” ايفانوف ” للوحدة العضوية بين صوت المفردة ومعناها مرتبطا بشكل وثيق بالإبداع الشعرى ، وكانت دراسات ” بيلى ” و” برجوسوف ” – على الرغم من حرفيتها حول موسيقية الكلمة وأهمية الجرس الوزنى والإيقاعى ، بالإضافة إلى تطبيقها عددا من التقنيات الإحصائية للشعر الروسى – قد لقيت اهتماما كبيرا لدى عدد كبير من الشكلانيين أمثال ” ب. توماشيفسكى ، ور. جاكوبسون ” .

لكن الحركة المستقبلية الناشئة قامت تكرس الاختلاف مع الجماليات الرمزية فى جميع مظاهرها ؛ الحركة ترفض الرمزية وتناهض الواقعية
” وتعتقد اعتقادا راسخا فى القوة المثيرة للمفردة الشعرية ” .(11)

رفض المستقبليون التقييم الرمزى للمفردة ، يقول ماياكوفسكى V. Majakovsky  ” لم يعط الرمزيون الروس للمفردة قيمة ما من أجل سواد عيونها ، ولكن من أجل ما ترمز إليه فى الشعر الرمزى ، ولذلك لم يهتم الرمزيون كثيرا بالقالب الشكلى والإيقاعى والصوتى إلا بمقدار ما يخدم تلك الرؤية ، على الرغم من أن المفردة الشعرية هى حقيقة أولية ، وكينونة ذات اكتفاء ذاتى وليست مجرد وسيط لنقل العواطف والأفكار ” .(12)

كانت تلك المعركة حول قيمة المفردة هى المقدمة التى هيأت الساحة الأدبية والنقدية لسيطرة المدرسة الشكلية ” لقد قررنا – كما يقول ” كروتشينخ A. Kruchenych ” أن نستثمر المفردات وعلاقتها بالمعانى معتمدين على سماتها الصوتية والشكلية ” .(13) ومن ثم كان التركيز منصبا على الشكل الخارجى للبناء الحسى من الرمز اللغوى أكثر من القيمة التواصلية لهذا الشكل .

لقد لفتت أنشطة المستقبليين الروس الاهتمام إلى الدينامية الداخلية للمفردة الشعرية ، ربما لأنها اهتمت بالعناصر الإيقاعية مثل القافية ، والسجع ، والجناس الاستهلالى وغيرها ، وكان هذا النوع من النشاط يعنى البحث عن منهج ملائم للشعرية يعنى بتكنولوجيا الشعر ، وطبيعة اللغة

(11)  Victor Erlich : op. cit., p. 24.                                                          (12)  Ibid. p. 25.

(13) Ibid. p. 27.

الشعرية أكثر من عنايته بالبحث عن ميول الشاعر وتوجهاته .(14)

لم تعد المفردة فى المذهب الشكلى رمزا محايدا ، أو علامة عديمة اللون ، فقد تعرضت لنوع من الانتهاك وضرب من العنف أخرجها من إطارها العادى وحقلها القاموسى ، تحت وطأة استخدام الأصوات وبعث العنصر اللفظى ، وتحقيق العنصر الدينامى لبنية المفردة ونسيجها الصوتى .

لقد دمج ” شكلوفسكى ” – فى حديثه عن الشعر ولغة نقل الأحاسيس – الصيغ التعجبية والانفعالية والأساليب والألفاظ المهجورة وأدوات الجناس بألوانه المختلفة ، كما اهتم بالقيم التعبيرية للفونيم ؛ إحدى وحدات الكلام الصغرى التى تساعد على التمييز بين مفردة وأخرى .(15)

إن ما يميز الشعر – كما يقول ” جاكوبسون ” – أن المفردة فيه تدرك باعتبارها مفردة ، فهى ليست وكيلا عن معنى ما أو نائبا عن غرض ما ، كما أنها ليست مثيرة لعاطفة ما ، بل إن المفردات بترتيبها ، ومعناها ، وشكلها الداخلى والخارجى تكتسب وزنا وقيمة خاصة بها .(16)

وبناء على رؤية هؤلاء ، فإن كل التقنيات والوسائل التى يستخدمها الشاعر من الوزن والإيقاع ، والترخيم ، والنبر ، والتشكيل الصوتى .. ، تتجمع حول الكلمة لتظهر نسيجها المعقد ، وتبرز كثافتها الشعرية ، ومن ثم فإن المفردة عند الشكلانيين أكثر من أن تكون ظلا لموضوع ما ، بل هى موضوع فى حد ذاتها .

(14)  Ibid. p. 30.

(15)  Ibid. p. 155.

(16)  Ibid. p. 156.

لقد حقق الشكلانيون مقولة ” فسيوجنوميا المفردة ” Physiognomy of word التى قال بها ” هانز ورنر H. Werner ” ، والتى ترى أن موضوع الكلمة المفردة أو ما يرتبط بها إنما يكمن فى التشكيل الذاتى لتلك الكلمة المفردة .(17)

وربما ترك ” ادموند هوسيرل ” أيضا أثرا واضحا على بعض منظرى الشكلانيين ، حين رأى أن المعنى لا يمثل واقعا لغويا إضافيا ، ولكنه جزء من محتوى العلامة أو المفردة اللفظية .(18)

وقد يتبادر إلى الذهن أن المذهب الشكلانى يتحرر من المعنى ، أو يلغيه ، فليس أن تتحرر المفردة من المعنى هو الفرض الذى يطرحه الشكلانيون ، ولكن هو التأكيد على الذاتية فى مقابل المرجعية أو الإشارية .

إن ما تحمله المفردة فى حالتها الشعرية من انحراف أو غموض أو كثافة ضمنية ، أو دلالات إضافية ، بمعزل عما يدعيه غير الشكلانيين بإحالتها إلى مرجع بالإضافة إلى تعدد المعانى وتباين الدلالات تبين أن غرض الشعر هو أن يجعل بنية المفردة مدركة وقادرة على تحقيق الإدراك بكل جوانبها ، وهذا معناه أن الشكل الباطنى للكلمة أو معناها الكامن فى شكلها ليس بأقل أهمية من أصوات الكلمة ذاتها ، وإنما تكون شعرية الكلمة من اجتماع هذين العنصرين ، عندئذ يتحقق الشكل بمعناه الذى طرحه الشكلانيون والذى يعنى تحققية المفردة اللفظية .

(17)   Hans Horman : Psycholinguistics, Springer, 1971, p. 227.          (18)    V. Erlich. Op. cit., p. 158.

لم تعد المفردة – عند الشكلانيين – تلفظ لفظا آليا ، ولكن تأثير الشعرية يجعل المفردة صعبة الإدراك ، غير مباشرة ، مدركة بشكل غير طبيعى ، بارزة الأصوات ، لقد أصبحت المفردة تتسم بسمات غير عادية ، وغير مألوفة بما يجعلها ” غريبة ” ، وهذا التغريب أو الإغراب الذى يمارس على المفردة ، والذى نعجز عن ملاحظته فى الظروف العادية هو عنصر ضرورى لإدراك وتمييز الشعرية فى النص .

وهنا نصل إلى مفهوم الشكلانيين الذى وضحه ” شكلوفسكى ” عن الإغراب Singularisation ، ذلك أن الفن بحسب هذا المفهوم يجعل الأشياء المعتادة غريبة ، لأنه يقوى الإدراك للأشياء ويزيد الإحساس بالتجارب .

إن الشكل نفسه – كما يرى شكلوفسكى – عامل من عوامل الغرابة ، فالزهرة الشعرية ليست – فى رأيه – هى تلك التى توجد فى أية مزهرية ، لأن الدافعية أو التحفيز Motivation فى الشعر قد تعرض الأداة بغرض إبراز تأثير الغرابة وتحقيق الإغراب ، وذلك لأن الأدب يتعارض مع الأشياء كأدوات للتعبير ذات مرجعية خارجية معينة ، ومن ثم فإن الكلمة فى النص الشعرى تنحرف عن المألوف ، وتزاح عن المعتاد ، وتبتعد عن الدلالة القاموسية لتكون ذاتها وليست بديلا عن شىء آخر .(19)

إن مبدأ الغرابة يشير إلى التزام الشكلانيين بمفهوم للشعر باعتباره

(20)                                                                                                                                                                                                        Ann Jefferson, D. Robey : Modern literary theory, Bannes & Noble books, New Jersey, 1982, p. 28.

شكلا فنيا لا يقوم على التقليد والمحاكاة ، ورفض الأساليب السياقية من خارجه، وذلك لأن الهدف من الفن فى رأى أحد أهم ممثليهم ” شكلوفسكى “: هو نقل الإحساس بالأشياء كما يتم إدراكها حسيا ، وليس نقل الأشياء كما هى معروفة فى الواقع .

إن التقنية التى تحقق ذلك فى الفن ، تقنية تجعل الأشياء غير مألوفة Unfamiliar وغير مباشرة ، بحيث تزيد المدة التى يستغرقها الإدراك ، لأن عملية الإدراك تعتبر هدفا جماليا فى حد ذاتها ، ولذا يجب إطالتها ، ومد الإحساس بها إلى أقصى حد ممكن ، لأن الفن وسيلة لتحقيق فنية موقف ، أو فنية تجربة ، أو فنية موضوع ، وذلك يعنى إدراك شىء ما إدراكا فنيا ، بغض النظر عن أهمية كل من الموقف أو التجربة ، أو الموضوع أو
الشىء ، ومن ثم فإن جعل الشىء غريبا أو غير مألوف Defamiliarais-ation ، يخلق ” رؤية ” عن الشىء بدلا من أن يكون وسيلة لمعرفته .(20)

مفهوم الإغراب – إذن – يؤدى إلى استخدام وتوظيف تقنيات انتهاكية ، من أجل خلق قيم مخالفة لما هو مألوف أو اعتيادى من الناحيتين الصوتية والدلالية ، واستخدام هذه التقنيات يعمق الإحساس بلا مألوفية الشىء وإغرابه وجدته ، ويكثف ذلك الإحساس أيضا ، وتلك إحدى أهم ميزات الشعر الحقيقى .

والتقنيات التى تؤدى إلى الإغراب إنما هى بمثابة انتهاك للعرف اللغوى ، وانحراف عن القانون الذى تم تكريسه والإقرار به فى اللغة العملية

(21)                                                                                                                                                                                                        Alan Swingwood : op. cit., p. 14.

أو لغة الحديث العادى ، ومن أمثله هذا الانحراف المجاز الذى يرى الشكلانيون أنه من أهم الوسائل التى تحقق التأثير الجمالى ، بما تقوم به من بناء عالم كثيف وغريب يمكن من خلاله إدراك الأشياء إدراكا فنيا .

الفن – وفقا لما يرى شكلوفسكى – يجعل الأشياء المعتادة غريبة ، فالمشى على سبيل المثال لا الحصر هو نشاط نمارسه فى الحياة اليومية ونظرا لاعتيادنا إياه توقفنا عن إدراكه ، ولكن عندما نحول هذا النشاط المعتاد إلى رقص أو حركات منتظمة إيقاعيا ، فإن الإيماءات التى – ربما كانت تؤدى آليا – أصبحت تدرك على أنها شىء جديد وغريب ، ومن ثم فالرقص – كما قال ” شكلوفسكى ” – هو مشى تم تنظيمه ليتم الإحساس به وإدراكه ، وفيما يخص الشعر فإن الكلمة فى اللغة المعتادة تلفظ آليا ، وتخرج من الفم كما تخرج قطعة الشيكولاته من الماكينة ، لكنها حين تصاغ شعرا تكون غريبة ، لأن التقنيات الشكلية مثل الإيقاع والوزن والقافية وغيرها تفعل فعلها فى الكلمات المعتادة لتجدد إدراكنا بهذه الكلمات .(21)

إن الإحساس باللا مألوف والغرابة والجدة هو أهم علامات الشعر الحقيقى ، باعتبار هذا الشعر إعادة اكتشاف للعالم ، وهذا ما ذكره كثير من علماء الجمال مثل ” كوليردج ” و” ورد زويرث ” و” جان كوكتو ” ، ومن ثم أصبحت مهمة الدراسات الأدبية عند الشكلانيين تحليل الاختلافات المتضمنة والانحرافات والإزاحات التى تعرضت لها اللغة العادية لتنتقل عبر بوابة الغرابة لتكون لغة شعرية .

(21)                                                                                                                                                                                                             Ann Jefferson and D. Robey : op. cit., p. 20.

ويمثل المجاز بألوانه المتنوعة واحدا من أهم الأدوات التى تجسد عنصر الإغراب فى الشعر ، وقد رصد ” جاكوبسون ” الفكرة الرئيسية من خلال المكونات الأسلوبية التى تعد انحرافا عند ” باسترناك  B. Pastrnak ” فلاحظ ولعه بالكناية والمجاز المرسل حتى تمكن من تحليل صورة البطل من خلال القالب الصوتى التصويرى الذى استخدمه كمفتاح يصل به إلى الخاصية الكامنة فى عالم باسترناك الشعرى ، مركزا على الخواص الحسية لتلك الانحرافات الأسلوبية عنده .(22)

(22)                                                                                                                                                                                                             Victor Erlich. op. cit., p. 177.

تقوم البنية الشعرية عند الشكلانيين على عقيدة الوحدة العضوية للغة الشعرية ، حيث تكون العلاقة الجدلية والدينامية الدائمة بين القالب الإيقاعى والوزنى من ناحية ، وبين المستويات الدلالية الصوتية فى اللغة الشعرية من ناحية أخرى .

لقد كانت موافقة الشعرية / اللسانية ، وموافقة الصوت والمعنى والإيقاع والألحان / بناء الجملة ، ورفض البعد المعيارى للشعر ، ورفض التناقض بين الإيقاع والوزن من ناحية والدلالة من ناحية أخرى ، كل ذلك كان أساسا متينا وأرضا صلبة يقيم عليها الشكلانيون البنية الشعرية .

لقد أصبح مفهوم الإيقاع والوزن ممثلا لخاصية ” جشتالتية ” تتخلل كل مستويات اللغة الشعرية ، لتتكون الوحدة العضوية للكلام الشعرى ، ليصل الشكلانيون مع ” جاكوبسون ” و” توماتشيفسكى ” إلى أن الوحدة الرئيسية للإيقاع أو الوزن الشعرى ليست هى التفعيلة ، وإنما هى البيت الشعرى ، الذى يجب النظر إليه ، باعتباره بنية إيقاعية لغوية دلالية
موزونة .(1)

لقد أصبحت العلاقة بين الصوت ومعناه ، وبين البويطيقا والدلالات – على يد الشكلانيين – علاقة حميمة مما دفع الكثير منهم إلى تتبع البعد الصوتى الخالص فى الشعر ، مثل دراسات ” جاكوبسون ” لشعر ” بوشكين Pushkin ” التى تناول فيها علاقة النبرة بالمفردة من ناحية والنظم الشعرى من ناحية أخرى ، وعلاقة الوزن بالألفاظ والوقفات . ودراسة ” أوسيب بريك

(1)  Victor Erlich . op. cit., p. 185.

O. Brik ” للتكرارات الصوتية ، وموسيقية بناء الجملة وعلاقته بالدلالة كما تتبع ظاهرة التوازى البنائى – الإيقاعى فى الشعر الروسى .

ومن تلك الدراسات التى تربط بين البنى الإيقاعية والدلالية دراسات ” ايخنباوم ” للمرئيات الشعرية ؛ حيث تناول القوالب النغمية الاستفهامية والتعجبية، وعناصر تأكيدها بواسطة تقنيات القلب والتكرار والتوازى والمد، وغير ذلك من التقنيات الفونوستاطيقية .(2)

ومع العلاقة بين البنية الشعرية متمثلة فى الصوت والمعنى والعلاقة العضوية بينهما ، نصل إلى ملمح مهم من ملامح المذهب الشكلانى حيث يرى الشكلانيون أن البويطيقا يجب ألا تكون موجهة نحو علم الأصوات ، أو الوصف المادى والفسيولوجى لأصوات الكلمات ، بل إن عليه أن يتجه نحو فحص أصوات الكلمات وتصنيفها على أساس وظيفتها اللغوية ، وقدرتها على تمييز معانى المفردة ودلالاتها .

وهذا الوعى بالتوافق بين الجوانب الدلالية والصوتية فى البنية الشعرية كان له أكبر الأثر على مستويات عدة من التحليل النقدى ، من الفونيم أصغر وحدة صوتية قادرة على تمييز المعانى ، إلى المفردة أصغر وحدة مستقلة من المعنى ، وصولا إلى الوحدة الكبرى وهى الجملة .(3)

ومع تقلب القصيدة الشعرية بين مستويات متنوعة من المعنى ، فإن المفردة تستمد لمعانيها وحسيتها من السياق الصوتى واللغوى ، ذلك أن
(2)  Ibid : p. 190.

(3)  Ibid : p. 189.

المفردات تتحول إلى نسق بنيوى يترابط عن طريق العلاقات الصوتية بين المقاطع والوحدات الدلالية ، لتصبح نغمات مفرداتية أو مفردات نغمية ، يهزها النبر ، والتكرار والقافية والوزن ، والجناسات … لتبعث من جديد بنية شعرية ذات علاقات متداخلة ، وتواترات متشابكة بين مستويات من الدلالة للعلامة اللفظية .

حين جعل ” شكلوفسكى ” الأدب متمثلا فى الشكل الخالص كان لابد أن يثور فى وجهه من يتساءل عن المضمون – تلك الثنائية التقليدية – غير أن المنهج الشكلانى الباحث عن الوحدة العضوية بين ثنائيات تبدو متعارضة فى العمل الفنى عند الآخرين ” لا ينكر المضمون الأيديولوجى فى الأدب والفن ، ولكنه يعتبر ما يسمى بالمضمون جانبا من جوانب الشكل ” .(4)

وعلى الرغم مما قد يسببه هذا الفهم من ارتباك منهجى فإن الشكلانيين يصرحون بأن كل حقائق المضمون تصبح فى الأدب والفن ظواهر شكلية ، وذلك ما دعاهم إلى استبدال ثنائية المادة / الأداة بثنائية الشكل / المضمون . وتمثل ” المادة ” الكمية الخام للأدب والتى تكتسب فعاليتها الجمالية لتصبح صالحة لصياغة العمل الأدبى من خلال الأداة .

مادة الشعر – كما جاء فى بيان جيرمونسكى – ليست هى الصور ولا العواطف والأحاسيس ولكن المفردات … الشعر فن لفظى Poetry is verbal art ، وكان مقال ” شكلوفسكى ” ” الفن كأداة ” دفاعا عن هذه الفكرة وتكريسا لدور المفردة الأداة فى بناء الشعر . ” Art as a device ” ،
(3)                                                                                                                                                                                                           Ibid . p. 160.

فالشاعر لا يخلق الصور ، بل يجدها فى اللغة العادية ويجمعها منها ، إذ الأمر ليس فى وجود المجازات والتخيلات ولكن فى كيفية وضعها موضع الاستخدام وتلك هى السمة المميزة للشكل الشعرى .(5)

رفض الشكلانيون الثنائية التقليدية للشكل فى مقابل المضمون ، والتى تشطر العمل الأدبى إلى شطرين المضمون الخام والشكل الخارجى . وقد حذر ” جيرمونسكى ” من النقد العرضى الذى يميل إلى تمزيق العواطف والأفكار المجسدة فى العمل الشعرى بإفراغها من مضمونها الأدبى ، فهذه العناصر ليست مستثناه وليست ذات وجود مستقل بعيد عن القوانين العامة للبنية الشعرية والجمالية ، فهى تؤدى دورها كموضوع شعرى وباعث قنى ، وبهذا القدر فهى تساهم فى الأثر الجمالى الذى يهدف إليه العمل الأدبى .(6)

والشىء نفسه ينطبق على المكونات الأيديولوجية للأدب والتى تصنف عادة تحت عنوان المضمون Content فهذه العناصر بمثابة مواد البناء التى يستعين بها الأديب فى بنائه الفنى والأدبى ، فهى ظواهر لها نفس النظام والترتيب مثل الكلمات والمفردات ، ومن ثم يكون العمل الأدبى هو مجموع الأدوات الموظفة فيه والمشاركة فى بنائه .

وتكون مهمة الناقد ليس البدء فى البحث عن الضغوط الاجتماعية أو الدوافع النفسية التى شكلت العمل الفنى ولكنه البحث فى العناصر الجمالية فى العمل المعطى تلك العناصر التى فرضت نفسها على المؤلف بغض النظر
(5)   Ibid. p. 149.                                                                                     (6)  bid. p. 159.

عن ولاءاته الاجتماعية أو الطبقية أو مزاجه النفسى والفنى .(7)

لقد حاول الشكلانيون فصم العلاقة المزمنة بين الشعر والشاعر وبين الشعر والواقع فأعلنوا على لسان ” ايخنباوم ” أن الفن عملية مستمرة لا تتحمل أى علاقة عرضية أو طارئة بالحياة ، أو المزاج أو النفس .(8)

إن السمة المميزة للشعر – أى الشعرية – لا تقع فى دائرة الماورائيات النفسية أو العاطفية أو التاريخية ولكن الشعرية تقع فى الثقل العاطفى والمدركى للغة فى نسيجها الصوتى وتركيبها النحوى وديناميتها السياقية بحيث تصبح هذه اللغة موضوعا استاطيقيا جماليا أكثر من كونها مادة محفزة للخوف أو مثيرة لغيره من العواطف ذلك أن الاستجابة الجمالية تختلف عن التى نعيشها فى الحياة اختلافا نوعيا وكميا .

إن إقصاء المؤلف والواقع والفكر من صميم ” الأدبية ” Literarimess ينبع من مفاهيم الشكلانيين التى تكرس التعارض بين الأدب والأشياء ، تخليصا للفكر الأدبى من أى عالق به ، ومن ثم فقد توقفت مصطلحات مثل الشكل والمحتوى لتحل محلها مصطلحات المادة Material والأداة Device ، فقد كان ينظر إلى الشكل دوما على أنه نوع من التكملة الجمالية التى تحقق نوعا من الاستمتاع . أو أن الشكل كان بمثابة الإناء الذى يصب بداخله المحتوى ، وإذا كان الشكلانيون قد اهتموا بالمحتوى إلا أنهم جعلوا المحتوى معتمدا على الشكل ، فالشكل لا يتحدد بالمحتوى بل بالأشكال

(7)  Ibid. p. 159.

(8)   Ibid. p. 172.

الأخرى .

أما العامل الجوهرى فهو العلاقة التفاعلية والحيوية التى توجد بين المادة والأداة ، ويقدم جاكوبسون مثالا مطبخيا فى تناوله للقضية التى تكمل صورة السائل / الإناء والتى تدل ضمنا على منزلة المضمون / الشكل
( الشاعرية ) إنها مثل الزيت إذ لا يمكن استخدامه بمفرده ولكن عند استخدامه مع ألوان الطعام فإنه يكون أكثر من مجرد إضافة فيغير طعم الطعام إلى مدى يجعل بعض الأطعمة لا رابط لها بأخرى لم يدخل الزيت فيها ، فسمك السردين الطازج يختلف تماما عن الذى كان محفوظا فى
الزيت ، النقطة الدالة ضمنيا على وجود مفردتين مختلفتين فى اللغة التشيكية للدلالة على تنوع الزيت والطازج ، فالسردين فى الزيت يسمى ” أوليجكوفا ” من كلمة ( oleg = زيت ) ، فالعلاقة الدينامية بين المادة والأداة تحدث الأثر نفسه وتغير الطريقة التى يظهر بها كل من الشكل والمحتوى ، وذلك يعنى أن عناصر الشكل يمكن أن تكون متضمنة فى مفهوم المادة .(9)

الشعر – حسب رؤية الشكلانيين – ليس مجرد حالة من الزينة أو الزخرف ( كالقافية والوزن والمجاز ) ركبت على الكلام العادى إنه نوع متكامل من الحديث يختلف اختلافا نوعيا عن النثر مع مجموعة من العناصر والأعراف والقوانين الداخلية الخاصة به ، إنه ” الكلام المنظم فى نسيجه الصوتى الكامل ” .(10)

«  Speech organized in its intire phonic texture »

(9)  Ann Jefferson. Op. cit., p. 28.

(10)  Victor Erlich. op. cit., p. 182.

ترتبط الوظيفة الجمالية للأدب عند الشكلانيين بمفهومهم للشكل ، فقد اثر هذا المفهوم تأثيرا واضحا على رؤيتهم للوظيفة الشعرية ، وعلاقتها بالوظائف الأخرى للأثر الأدبى .

إن الشعر كما أوضح الشكلانيون ، فن لفظى ، تكون الوظيفة الجمالية فيه هى المهيمنة ، كما رأى جاكوبسون(11) أو هو ” كلام فى شكل ” وفقا لزعم ” شكلوفسكى ” الذى جعل الشكل ذاته عنصر جمال ، بما يحمله من سمات جمالية .(12)

ولعله من الضرورى الإشارة إلى أن الشكلانيين لم يطلقوا على أنفسهم أو على مذهبهم صفة ” الشكلانية ” وإنما هى صفة أطلقها عليهم خصومهم من الجماعات الأخرى وبخاصة الماركسيون ، فى محاولة للغض من قيمة أعمالهم النظرية والنقدية ، وعلى الرغم من عدم تقبلهم لهذه التسمية فقد بقيت علامة ملازمة لجماعتهم ، وسمة مرتبطة بمذهبهم .

يرفض ” ايخنباوم ” ذلك الوصف قائلا ” نحن لسنا شكلانيين ولكن نحن محددون Specifiers “(13) ، يقصد بذلك أنهم جماعة تبحث عن السمات المحددة لأدبية العمل الأدبى ، أى السمات التى تجعل من عمل ما عملا أدبيا ، بحيث تصبح الأدبية Literariness هى شغلهم الشاغل ، وذلك لأنهم كانوا يعترضون على كثير من النظريات والمناهج النقدية التى كانوا
(11)  نصوص الشكلانيين . ترجمة : إبراهيم الخطيب ، ص 81 .

(12) Ann Jefferson . op. cit., p. 22.

(13)  Victor Erlich. op. cit., p. 245.

يرون أنها تخلط بالأدب أمورا وقضايا يعدونها بعيدة فى رأيهم عن موضوع البحث الأدبى ، فاهتمامهم بالشكل لم يكن اهتماما به بمفهومه التقليدى ، كما لم يكن غاية فى حد ذاته ، وإنما كان نابعا من اهتمامهم بتحديد السمات الأدبية .

وهذه الرغبة فى التعرف على طبيعة النص الأدبى ، وخصائصه التى تبرز ” أدبيته ” ، دون اهتمام بأية وقائع أو اتجاهات أخرى من خارجه ، وإن كانت ذات صلة به ، جعلت من هذه الجماعة ومذهبها ، أبرز محاولة لتأسيس ” بويطيقا ” حديثة تكون غايتها دراسة أكثر علمية للأدب وأكثر تركيزا على بنيته ووظيفته .

كان مبدأ الإحساس بالشكل – كما يرى أصحاب المذهب الشكلانى – هو صيغة مميزة للإدراك الجمالى ” إننا لا نتحقق من الشىء ، ولا ندركه إدراكا جماليا إلا حين يتحول هذا الشىء إلى شكل ” ، والتحقق أو الإدراك الذى يقصده الشكلانيون ، ليس مجرد حالة سيكولوجية وإنما هو عنصر أساسى من عناصر الفن ، والفن لا يوجد خارج الإدراك .

لقد اكتسب مفهوم الشكل معنى جديدا ، فلم يعد مجرد غشاء ، وإنما هو وحدة ديناميكية ملموسة ، لها معنى فى ذاتها خارج كل عنصر إضافى ، وهنا يبرز الفرق بين المذهب الشكلانى والمبادئ الرمزية التى ترى أنه
” يجب أن يستشف عبر الشكل شىء من المضمون ” .(14)

وقد أوضح ” جاكوبسون ” أن ذاتية الوظيفة الجمالية لا تعنى
(14)     نصوص الشكلانيين الروس. ترجمة : إبراهيم الخطيب . مرجع سابق ، ص 41

انفصالية الفن أو انشقاقيته ، فجوهر الأمر هو الذاتية وليس الانفصالية ، وهذا يعنى أن الأدب هو وسيلة مميزة للجهد والسعى الإنسانى ، لا تقبل التفسير وفق شروط تنتمى إلى مجالات أخرى على الرغم من ارتباط الأدب بهذه المجالات ، فالأدبية ليست مجرد مكون من مكوناته ، لكنها خاصية جوهرية ونافذة فى العمل الكلى تحقق مبدأ التكامل الديناميكى الكلى .(15)

لقد سيطرت على البعد الشكلانى للنظم الشعرى عند الشكلانيين عقيدتان :

الأولى :  الإصرار على الوحدة العضوية للغة الشعرية . فقد رفض الشكلانيون أية ثنائية تفصل العمل الفنى عن ” كلانيته ” مثل الصوت أو المعنى ، أو الشكل أو المضمون فلا مجال لهذه الثنائيات فى العمل الأدبى عند أصحاب هذه المدرسة .

الثانية : الخاصية المهيمنة Dominant . والمقصود بتلك الخاصية أن ثمة عنصرا يمارس بصورة مباشرة أو غير مباشرة تأثيره على العناصر الأخرى فى العمل الأدبى بحيث يفرض نفسه على نظام القيم ليصبح ذلك العنصر هو العنصر الرئيسى ، والقيمة السائدة ومن ثم الخاصية المهيمنة .

إنه من الطبيعى فى أى نظام من النظم أن تكون مكوناته على قدر من التباين والاختلاف فيما بينها مما يترتب عليه بروز مكون من هذه المكونات أو مجموعة منها تؤثر على غيرها وتهيمن على النظام كله .

(15)  Victor Erlich. op. cit., p. 170.

ويعتبر تفوق مكون أو مجموعة من المكونات أو ما يسمى الهيمنة Dominanta ، تأكيدا لوحدة العمل الأدبى وتفاعل مكوناته تفاعلا ديناميا وتأكيدا لمدركية هذا العمل ، بمعنى آخر فإن الخاصية المهيمنة هى سمته المميزة ، وهى لب ” أدبيته ” وجوهر شعريته التى تحقق وظيفته الجمالية .

وفى حديثه عن ” المهيمنة ” يرى ” د. جاكوبسون ” أنه من الممكن بحث وجود قيمة مهيمنة ليس فقط فى الأثر الأدبى لفنان بعينه ، ولا فى مجموع أصول مدرسة شعرية ولكن يمكن أيضا اكتشاف القيمة المهيمنة فى فن عصر بعينه أو أدب مرحلة بذاتها ، باعتبار أن فن هذا العصر أو أدب تلك المرحلة يمثل كل منهما نسقا متكاملا يتفاعل من داخله تفاعلا ديناميا بحيث تهيمن مجموعة من المعايير الجمالية على فن هذا العصر أو أدب تلك المرحلة فيمثل ذلك عنصرا مهيمنا يبرز فنية هذا العصر أو أدبية تلك المرحلة .

إن تحديد القيمة الجمالية كقيمة مهيمنة على الأثر الأدبى يرتبط بالوظائف اللغوية الأخرى فى ذلك الأثر ، وقد وضع ” جاكوبسون ” ست وظائف بإزاء ستة عناصر فى نموذجه الشهير .

وقبل دراسة الوظيفة الشعرية يجب علينا أن نحدد أولا مكانها بين الوظائف الأخرى للغة ، وتحديد هذه الوظائف يتطلب ولا شك معرفة كاملة بالعوامل الأساسية فى أى حدث كلامى فالمرسل Addresser يرسل رسالة Message إلى المتلقى Addressee ، ولكى تكون الرسالة فعالة فإنها تتطلب سياقا Context يمكن أن يفهمه المتلقى ، وأخيرا قناة للاتصال Contact ، وكل عامل من هذه العوامل يحدد – كما وضح جاكوبسون – وظيفة مختلفة للغة ، وعلى الرغم من أننا أمام ستة مظاهر أساسية للغة لا يمكن فى أية حال أن نجد رسالة لفظية تؤدى وظيفة واحدة فحسب ، ولا يمكن الاختلاف فى احتكار واحدة من هذه الوظائف المختلفة بل فى ترتيب هرمى مختلف لتلك الوظائف ، وتعتمد البنية اللفظية للرسالة على الوظيفة السائدة .

ومن ثم فالوظيفة الشعرية ليست هى الوظيفة الوحيدة للفن اللفظى بل هى وظيفته الغالبة والمهيمنة فحسب ، فى حين أنها فى الأنشطة اللفظية الأخرى تعمل بوصفها عنصرا ثانويا ، ذلك أن الوظيفة الجمالية ليست قاصرة على العمل الشعرى ، فالخطبة والحديث اليومى ، والإعلان … هذه جميعها يمكن أن تستخدم الاعتبارات الجمالية ، وتعطى تعبيرا للوظيفة الجمالية ، وغالبا ما تستخدم الكلمات بنفسها ولنفسها وليس بوصفها أداة إشارية .(16)

وقد كان لفرضية القيمة المهيمنة نتائج مهمة بالنسبة إلى الشكلانيين فى مسألة التطور الأدبى ، ففى تطور الشكل الشعرى لم تكن القضية قضية اختفاء عناصر محددة وظهور عناصر أخرى بقدر ما كانت قضية تغيرات فى العلاقات المتبادلة بين العناصر المختلفة للنظام أو بعبارة أخرى قضية تغير العنصر أو القيمة المهيمنة حيث تغدو العناصر أو القيم التى كانت ثانوية من قبل جوهرية أو رئيسية ، وفى مقابل ذلك فإن العناصر أو القيم

ك. م. نيوتن : نظرية الأدب فى القرن العشرين . ترجمة : د. عيسى العاكوب ، عين للدراسات والبحوث الإنسانية 1996 ، ص 25 .

التى كانت مهيمنة تصير جانبيه أو اختيارية .(17)

لقد أعاد ” تنيانوف ” تعريف العمل الأدبى باعتباره نظاما جماليا أكثر من كونه مجرد تجميع لأدوات أدبية ، وكانت فكرة التفاعل والتعايش بين عناصر مختلفة فى الكل أو المجموع الأدبى هى أساس التكامل الديناميكى ، هذا التفاعل والتكامل يوحى بدوره بتحولات مرحلية فى هرم المكونات الأدبية يؤدى إلى التغيرات المستمرة وغير المتناهية فى الوظيفة الجمالية للأدوات الأدبية .(18)

(16)

(17)             نفسه ، ص 26 .

(18)             Victor Erlich. op. cit., p. 219.

تعتبر الشكلانية الروسية إحدى فروع الحركة الشكلية الأوربية العامة فى دراسة الأدب ، وإن كانت تختلف عنها فى ظروف النشأة والتطور من ناحية ، كما تختلف عنها فى عدد من القضايا والمنطلقات النظرية وإن اتفقت فى بعضها من ناحية أخرى .

كانت الدراسات الشكلانية الروسية المبكرة تتضمن كثيرا من المضامين الإيجابية ؛ مثل اهتمامهم بالتركيز على الشاعر حرفيا Craftsman والشعر حرفة ، كما كان البحث فى البنية الصوتية للشعر وأهمية ترسيخ فكرة الوحدة العضوية بين الصوت والمعنى وقد برز هذا الجانب فى دراسات ” شكلوفسكى ” و” بريك ” .

وفى المرحلة الثانية من تطور الشكلانية الروسية ظهرت اتجاهات متعددة داخل الحركة ، حيث طغت الدراسات الأسلوبية وانحسرت مسائل علم الأصوات ، وإن كانت مسائل الإيقاع بدأت تحتل مكانها فى دراسات هذه المرحلة إلى جانب أمور البحث الشكلانى فى قضايا التاريخ والتطور
الأدبى .

كانت محاولة الشكلانيين إقامة علم للأدب يضع لهذا العلم مبادئ وأسسا مستمدة من الأدب نفسه ويؤسس لأول محاولة لإقامة شعرية “بويطيقا” حديثة .

وعلى الرغم من أن الشكلانيين لم يكن يعنيهم كثيرا التركيز على منهج متكامل بل كان هدفهم الدراسة الأدبية ذاتها بعيدا عن المفاهيم
المنهجية ، فإن هذا الأمر قد اعتبر قصورا فى الجوهر الفعلى للنظام
الشكلى ، وقد كان ايخنباوم محقا تماما حين قال : ” ما يسمى بالمنهج الشكلى لم يكن نتاج إبداع وخلق نظام منهجى ، ولكنه تكون خلال عملية صراع من أجل دراسة أدبية مستقلة ومتينة .. ، مشكلة المناهج فى الدراسة الأدبية ليست مبدأ أساسيا عند الشكلانيين ولكنهم ركزوا على مسألة الأدب كهدف وباعث للدراسة ” .(1)

لقد عقد الشكلانيون رباطا لا ينفصم بين اللغة والشعر ، حين عرضوا السمات البنائية للعمل الشعرى فى نظام اللغة ، ونقلوا العناصر اللغوية فى اللغة إلى البناء الشعرى مباشرة ، هذا بدوره أدى إلى توجه خاطئ من البويطيقا تجاه علم اللغة فى شكل صريح أو خفى بدرجة تقل أو تكبر .

إن تفكيك اللغة إلى عناصر صوتية ومورفولوجية هو شىء مهم وجوهرى من وجهة نظر علم اللغة – كما فعل ” ياكوبنسكى ” ، لكن هذه العناصر وغيرها من المكونات اللغوية لا يجب أن تفهم على أنها عناصر بنائية مستقلة فى العمل الشعرى ، لأن التحليل اللغوى للعمل الشعرى ليس له معايير تفصل بين ما هو دلالى ومهم وبين ما هو غير ذلك ، فكل من هذه العناصر يؤدى دوره ويحتل مكانه فى البناء الشعرى ومن ثم لا يجب أن يكون الحديث عنها عناصر لغة بقدر ما يجب أن يكون الحديث عنها عناصر

(1)  P. N. Medvedev & M. M. Bakhtin : The formal method in literary scholarship. Acritical introduction to sociological poetics, the coucher college series, the Hopkins Univ. Press, Baltimore and London, 1978, p. 76.

بناء .(2)

وعلى الرغم مما قد يراه البعض فى هذا الربط بين اللغة والشعرية من اختلاف أو تعسف ، فإن المذهب الشكلانى ، قدم للمناهج النقدية فى القرن العشرين استراتيجية نقدية أصبح من الصعوبة بمكان الانفلات من أسرها وتأثيرها وهى استراتيجية بطولة اللغة وموقعها المركزى فى النقد والدراسات الأدبية المعاصرة .

وقد ترتب على تشدد الشكلانيين فى هذا الجانب اللغوى واقتصارهم عليه فى دراسة ” الأدبية ” أن رفضوا كل ما عداه من عوامل أخرى ذات صلة بالعمل الأدبى مثل العوامل الاجتماعية أو الأيديولوجية أو الاقتصادية ، حتى لقد مال بهم البعض نحو مثالية ” الفن للفن ” وهم بمنأى عنها ، وإذا كان البعض الآخر يرى أن الشكلانيين فى أول الأمر طرحوا هذا الأمر نوعا من المساومة من ناحية ومحاولة لتحريك الساحة الفكرية والنقدية من ناحية أخرى ، فقد كان يجب على الشكلانيين تدارك هذا النقص حتى يمكن إيجاد صيغة تحقق التوافق بين مذهب يقصى كل عوامل أو ظروف خارجية مثل المذهب الشكلى ، ومذهب يجعل لتلك العوامل والظروف الفضل كله مثل المذهب الماركسى .

وقد حاول بعض الشكلانيين بعد ذلك تدارك هذا الأمر فى مذهبهم حين واجهوا المأزق الأيديولوجى والهيمنة الماركسية ، مثل ” تنيانوف ”
الذى أكد وجود تفاعل دينامى بين العملية الأدبية والعملية الاجتماعية ،
(2)  bid . p. 86.

وشكلوفسكى الذى حاول إقامة توليفة ( شكل – اجتماعية ) Socio-Formalist فى دراسته لبعض النصوص الأدبية من الأدب الروسى ،
بل صرح ” ايخنباوم ” بأنه ” لا عيب أن يعدل المرء موقفه المبدئى ” فى إشارة إلى عدوله عن بعض مواقفه النقدية السابقة التى كانت تقصى العوامل الخارجية والتفاصيل الحياتية للكاتب ، ولا تقيم لذلك كله وزنا فى دراسة أدبه وتناوله .

كما أكد ” موكاروفسكى Mukarovsky ” أن من الحمق استبعاد العوامل غير الأدبية من التحليل النقدى ، وتبنى نظرة ” تنيانوف ” الديناميكية الأبنية الجمالية ، فاهتم كل الاهتمام بالتوتر الدينامى بين الأدب والمجتمع فى أى إنتاج فنى ، وتتصل أكثر أفكار ” موكاروفسكى ” أهمية بما يسميه الوظيفة الجمالية ، تلك الوظيفة التى يؤكد أنها ليست مقولة جامدة ، بل هى مقولة متحركة الأبعاد دائمة التحول ، ذلك لأن الموضوع الواحد يمكن أن تكون له وظائف متعددة .. وهكذا فإن محيط دائرة الفن متغير على الدوام ويرتبط ارتباطا ديناميا ببنية المجتمع …(3)

ثم كانت مدرسة البويطيقا الاجتماعية Sociological Poetics
” لميخائيل باختين ” التى انتقدت كل من الشكلية الخالصة لنفيها العناصر الأيديولوجية نفيا تاما ، والماركسية التى تعتبر الأدب مضمونا اجتماعيا غير مباشر ، فقد رأى باختين أن الطبيعة الخاصة للأدب ونظامه الداخلى ترتبط ارتباطا وثيقا بالقوى الاجتماعية التاريخية التى لا تتماثل فى خصوصيتها مع

(3) رامان سلدن : النظرية الأدبية المعاصرة . ترجمة : د. جابر عصفور ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، 1996 ، ص 51 .

صورتها المنقولة إلى الصيغة الأدبية الجوهرية .(4)

وقد تناول ” باختين ” كثيرا من مقولات الشكلانيين بالنقد والتحليل ، ومن ذلك رؤيتهم لوجود نظامين من أنظمة اللغة هما اللغة الشعرية واللغة العملية حيث يرى أن هذا المنهج لا يعين على معرفة ماذا تعنى اللغة الشعرية فى حد ذاتها ولكنه يوضح ما الذى تختلف فيه هذه اللغة عن اللغة العملية ، وكل ما نتج عن ذلك هو اختيار للاختلافات والفروق بين نظامين من أنظمة اللغة ، بينما استبعد هذا المذهب كل ما يمكن أن يكون تشابها بين النظامين وهذا التشابه يمكن أن يكون ذا أهمية فى العملية الأدبية والنقدية .(5)

لقد أصبحت اللغة الشعرية – كما يرى باختين – لغة مغايرة ، ومتطفلة ، وأصبح الفني صناعيا حتى يبدو فيه الإدراك ، ليصل التعريف بالشعر إلى كونه مجرد كلام ذا إيقاع بصوت عال ، ومجرد كلام تم تحريفه ، فالكلام العادى سهل مقتصد ، صحيح ، يولد ولادة يسيرة طبيعية بينما الكلام الشعرى مشوه أو محرف وعلى الرغم من أن الشكلانيين أنفسهم أدركوا ذلك التناقض بين ما أسموه اللغة الشعرية واللغة العملية فإنهم لم يفعلوا شيئا لتصحيح تلك الرؤية .(6)

ومن المقولات الشكلانية التى واجهت الكثير من النقد مفهوم الشكلانيين للعلاقة بين الشكل والمضمون فعلى الرغم من أن المنهج الشكلانى الباحث عن الوحدة العضوية بين ثنائيات يصعب توحدها عضويا لا

(4)

(5) Medvedev & Bakhtin. op. cit., p. 68.

(6) Ibid. p. 87.

(7) Ibid. p. 97.

ينكر المضمون فى الأدب لكنه من ناحية أخرى يعتبر ما يسمى بالمضمون مجرد جانب من جوانب الشكل ، وأن كل حقائق المضمون تصبح فى الأدب مجرد ظواهر شكلية .(7)

ولكى ينجو الشكلانيون من مأزق الفصل بين شكل العمل الأدبى ومضمونه ، استبدلوا بثنائية الشكل والمضمون ، ثنائية المادة والأداة ، فالمادة كل شىء له دلالة أيديولوجية مباشرة، وكانت تعتبر جوهر الأدب ومضمونه، تحولت عند الشكلانيين إلى مجرد محفز للأداة Motivation .

يرى ” باختين ” أن البناء الشعرى – وفقا للنظرة الشكلانية – تحول إلى كتلة من الأدوات الفنية ، وأن المضمون فى الأدب إنما يكون مساويا لمجموع أدواته الفنية وفقا لرأى شكلوفسكى وهذا التداخل بين المواد والأدوات يصل إلى نهاية مغلقة ، ذلك أن الشكلانيين عجزوا عن الاعتراف بمدركية المادة ، كما حرمت الأداة نفسها من كل معنى إيجابى ، فأدى ذلك إلى وقوع التداخل والتناقض بين المادة والأداة بسبب الفصل غير المنضبط ، وغير المنهجى بينهما .

إن أى عنصر يمكن أن يؤدى دوره كغاية ونهاية فى حد ذاته ، وعندئذ تتحول العناصر الأخرى إلى عناصر دافعية له ، فيمكن أن نعتبر الأداة الشكلية ذات سمة دافعية ومحفزة ، ونعتبر المادة غاية فى حد ذاتها ، ويمكن من ناحية أخرى تأكيد العكس تماما ، ولكن المادة يجب أن تفهم على أنها اللغة وليس الدافعية التى تؤثر فى الأداة ، كما أن المادة الخام التى تكون

(8)

(9) Victor Erlich. op. cit., p. 160.

الشعر لا علاقة لها بالمعنى الأيديولوجى الذى اعتبر بمثابة دافعية للأداة .(8)

إن المدرسة الشكلية التى بدأت بإنكار أهمية التاريخ والواقع الخارجى فى دراسة الأدب ، كان عليها أن تنتهى تماما بتأثير أحداث التاريخ والواقع السياسى الخارجى .(9)

وعلى الرغم من انتهاء المدرسة الشكلية مرحلة من مراحل الدرس والبحث النقدى ، فإن بعض استراتيجياتها النقدية ما زالت تمارس فعلها فى الساحة النقدية المعاصرة ومن أبرز هذه الاستراتيجيات تلك العلاقة بين الدراسات الأدبية واللسانيات متمثلة فى المذاهب البنينوية والأسلوبية والاستاطيقية التى تتوخى هذا الجانب من الدراسات اللغوية للأدب .

لقد صارت بعض المفاهيم النقدية للشكلانيين أسسا تؤكد استمرار كثير من المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة فى تبنى تلك المفاهيم ، مما يؤكد من ناحية ثانية قدرة النظرية الشكلانية على البقاء والاستمرار وعلى موضوعية فروضها .

ولعل من أبرز هذه الفروض ، فرضية العلاقة الوطيدة بين شعرية النص الشعرى من ناحية واللسانيات من ناحية أخرى .

لقد أكد الشكلانيون كثيرا على مفهوم الشعر باعتباره لغة ذات تشكيل جمالى ، ومن ثم فقد تداخل الشعرى باللسانى فصار كل منهما جزءا لا يتجزأ

(10)

(11)             Medvedev & Bakhtin . op. cit., p. 116.

(12)          ديفيد بشبندر : نظرية الأدب المعاصر . ترجمة : عبد المقصود عبد الكريم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1996 ، ص 120 .

من الآخر ، وقد ترتب على ذلك أيضا ، أنه ينبغى على الناقد الأدبى الباحث عن جماليات الخطاب الأدبى أن يصطنع لنفسه المنهج اللسانى ليضع يده على تلك الجماليات .

لقد كانت الشعرية واللسانيات فى المنهج الشكلانى وجهين لعملة واحدة ، واستمرت العلاقة بينهما وثيقة وضرورية فى المداخل النقدية التى تبنت هذه العلاقة ، وجعلت منها أساسا لرؤية الخطاب الشعرى وتقويمه .

لقد استمرت هذه العلاقة – والتى ولدت من رحم الشكلانية – وطيدة فى الاتجاه الأسلوبى البنيوى وبخاصة عند تزفتيان تودورف T. Todorov الذى اهتم فى نقده البنيوى بالكشف عن نواميس الخطاب ، فى شبكة دلالاته اللفظية والنحوية والإيقاعية ونوعية علاقاته بالعالم عبر الإشارات اللغوية . يقول فى كتابه : ” ما هى البنيوية : إنها علم يهتم بهذه الخصوصية المجردة التى تشكل تفرد الحدث الأدبى ، أى الأدبية ” .(10)

وكان من الطبيعى – والهم الأول هو البحث فى لسانيات العمل الأدبى – أن تهمل هذه المدارس كل صلة للعمل الفنى بصاحبه ، أو بتاريخه أو الوسط الذى أنتجه ، وترفض حتمية العلاقة بين الأثر الأدبى وبين ما يحيط به من أوساط ومؤثرات .

وكان فلاديمير بروب Prop أيضا من الباحثين الذين اعتمدوا فى تحليلاتهم البنيوية على الأصول والمفاهيم النقدية للشكلانيين الروس ، حيث
(10)  دكتور عدنان حسين قاسم : الاتجاه الأسلوبى البنيوى فى نقد الشعر العربى . الدار العربية للنشر والتوزيع . القاهرة . 2001 ، ص 41 .

عنى بروب بجنس أدبى فريد من نوعه هو خرافة الجنيات ، ولم يدرسه إلا استنادا لنماذج روسية .(11)

ويهتم ” رولان بارت R. Barthes ” أبرز مؤسس للبنيوية الأدبية بالنص باعتباره نوعا من الكرنفال اللفظى … الذى تكون فيه اللغة فى إجازة من مهام الحياة اليومية الصاخبة ، فالعمل اللغوى ينتج مشهدا لغويا ، والمطلوب من القارئ أن يستمتع بذلك المشهد فى حد ذاته بدلا من النظر إلى العالم من خلال اللغة ، إن النص ينتج فى الواقع عن الدالات وترك المدلولات تهتم بنفسها .(12)

والحقيقة أن المنهج الشكلانى فى النقد الأدبى ظلت مقولاته ردحا طويلا من الزمن تمارس تأثيرها فى ساحة النقد الأدبى بدرجة تقل أو تكثر بحسب اقتراب المدارس المختلفة أو ابتعادها عن الربط بين الشعرية واللسانيات ، بل لقد عد بعض الباحثين والنقاد المذهب الشكلى فى النقد أقرب المذاهب النقدية إلى روح العلم حين يقرر أن الأدب فن ، ولكن دراسة الأدب ينبغى أن تكون علما منضبطا ، وهذا العلم يحتاج إلى فلسفة وموضوع ومنهج يشتمل على معايير موضوعية للقياس والوصف والاستنباط ، وذلك كله يجعل المذهب الشكلى فى النقد – فى رأيه – أقرب المذاهب إلى روح العلم ، كما كشف عن تأثر النقاد الشكليين بعلم العلامات Semiotics الذى

(11)  تزفيتان اودوروف : الشعرية . ترجمة شكرى المنجوت ورجاء بن سلامة ، توبقال للنشر . الدار البيضاء ، 1970 ، ص 61 .

(12)  د. عبد العزيز حمودة : المرايا المحدبة . عالم المعرفة ، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ، الكويت 1998م ، ص 206 .

وضع جذوره دوسوسير فبرزت فى دراساتهم أهمية التحليل اللغوى الذى قام على أساس من التمييز الواضح بين لغة العلم ولغة الأدب .(13)

وكان من الطبيعى – كما ذكرت – أن يؤدى هذا الاهتمام بالشكل على حساب المعنى ، إلى فصل الموضوع – وهو الأدب – عن الحياة البشرية ” الحياة الأيديولوجية ” Ideological Life  .

وكان ذلك هو المدخل الذى نفذ منه منتقدو المنهج الشكلى
ومهاجموه ، فباختين M. Bakhtin يرى أن جوهر الشكلية لا ينكر أثر الظروف والعوامل الخارجية على التطور الفعلى للأدب ، لكن الشكلانيين فعلوا ذلك وأنكروا أهمية هذه العوامل للأدب ، لقد أنكروا قدرة هذه العوامل على إحداث الأثر المباشر فى الطبيعة الجوهرية والفعلية للأدب ، إن الطبيعة الجوهرية للحقيقة للأدب بناء على فهمهم هذا غير اجتماعية ” فالحقيقة الأدبية غير اجتماعية “(14) Literary Fact is non-social .

ومن ثم يرى ” باختين ” أن الأعمال الفنية هى نتاج خلق أيديولوجى من العناصر المادية للواقع الذى يحيط بالإنسان ، مشبعة بالدلالة والمعنى والقيمة الداخلية ، غير أن المعنى والواقع لا يتحولان إلى ” واقع أيديولوجى ” إلا من خلال اللغة ، وقد أكد الشكليون أن وحدات التحليل اللغوى كالفونيم والمورفيم تشكل أساس البناء الشعرى ، غير أن باختين أكد أن أساس البناء
(13)

(14)  د. عدنان حسين قاسم : مرجع سابق ، ص 79 .

(15)  Medvedev & Bakhtin : op. cit., p. 67.

الشعرى يقوم على الوحدات الأساسية للكلام والتعبيرات .

ويؤكد ” باختين ” أن العمل الأدبى عبارة عن بناء منظم إلى حد بعيد من التعبيرات اللفظية المشبعة بالمعنى والأيديولوجية يقول : ” إن كل شىء أيديولوجى له معنى ، فهو يمثل أو يرمز إلى شىء يكمن خلف ذاته ، أو بمعنى آخر فإنه يعتبر رمزا ، وبدون الرموز لا تكون ثمة أيديولوجية ، والرمز لا يتواجد فقط كجزء من حقيقة ما ، وإنما يعكس حقيقة أخرى ، ولذلك فإنه يمكن أن يشوه الحقيقة أو يقدمها بصدق ، أو قد يدركها من زاوية معينة ، ومجال الأيديولوجيا يتوافق مع مجال الرموز ، فأينما وجد
الرمز وجدت الأيديولوجيا أيضا ، وكل شىء أيديولوجى تكون له قيمة
رمزية ” .(15)

الأدب – عند أصحاب البويطيقا الاجتماعية – Sociological Poetics والتى كانت ردة فعل لنفى العامل الاجتماعى ومنهم باختين – ليس كما عرفه الشكلانيون – حقيقة خارجة عن البيئة الأيديولوجية والعلاقات الاجتماعية ، بل إنه صياغة أيديولوجية مليئة بالمعانى فى حد ذاتها ، ومن ثم فقد عرف ” باختين ” مهمة البويطيقا الاجتماعية بأنها فهم الوحدة المادية والملموسة للبناء الشعرى فيما يتعلق بمعناها السيمانتى من ناحية والأيديولوجى من ناحية أخرى .(16)

(16)  Alan Swingwood : op. cit., p. 19.

(17)  Ibid. p. 21.

وقد كان مفهوم القيمة المهيمنة Dominant من المفاهيم التى شكلت عنصرا جوهريا فى نظرية المنهج الشكلى ، لأنها تبين مدى تفاعل مكونات العمل الأدبى تفاعلا دنياميا ، يمنح الشكل فى النهاية بنيته الجمالية ، ويبرز القيمة المهيمنة على العمل فى كليته ، كما يضمن تلاحم أجزاء بنائه .

لقد افترض الشكلانيون مجموعة من القيم والعناصر التى تتحكم فى بناء العمل الأدبى ، لتمنحه من خلال تفاعلها سماته الأدبية وخصائصه
الفنية ، وخلال هذا التفاعل والتكامل الدنيامى ، تتبادل تلك القيم التأثير فى قيمة العمل الكلية وبنائه الجمالى ، فتبرز إحدى تلك القيم لتشكل قيمة مهيمنة على سائر القيم الأخرى فى العمل الواحد ، ومن ثم تميزه تلك القيمة المهيمنة على غيره من الأنواع من ناحية ، وعلى غيره من أعمال نوعه من ناحية أخرى ، بل أن تأثير القيمة المهيمنة يمكن أن يمتد إلى فن حقبة معينة أو أدب عصر معين .

ويقدم مفهوم القيمة المهيمنة أيضا إسهاما فى رؤية الشكلانيين للتطور الأدبى ، حيث يرى الشكلانيين أن العلاقات المتبادلة بين عناصر العمل الأدبى وقيمه الفنية ، والتى يترتب عليها تقدم عنصر وتأخر آخر ، وإحلال عنصر بشكل ثانوى محل عنصر آخر أساسى أو العكس – هذه العلاقات المتبادلة من إزاحة أو إحلال أو بروز – هى التى تؤدى إلى التطور الأدبى لظهور أنظمة واتجاهات وأشكال جديدة بحسب القيم المهيمنة .

إن الحكم النهائى على المذهب الشكلانى – كما يرى ارليخ – ينبغى أن يتجه إلى معارض للمذهب ، عادل فى حكمه وغير متحيز ، مثل إفيموف N. Efimov الذى لخص إنجاز الحركة الشكلانية فى دراسة له على هذا النحو :

” إسهام هذه المدرسة فى الدراسة الأدبية يكمن فى حقيقة أنها ركزت بشدة على قضايا الدرس الأدبى الرئيسية ، منذ بداية تحديد موضوعه ، كما عدلا مفهومنا للعمل الأدبى ، وقسمته إلى مكونات جزئية ، وفتحت أبوابا جديدة للبحث ، رفعت من شأن قيم البحث الأدبى ، وأثرت معرفتنا بتكنولوجيا الأدب ، لقد كانت الشعرية مجالا للانطباعية التى لا انضباط لها ، فأصبحت موضوعا للتحليل العلمى ، وقضية من القضايا الثقافية والعلمية المحسوسة ” .(17)

(18)

(19)  Ibid. p. 252.

الخاتمة

منذ فرق ” دى سوسير ” بين اللغة والكلام احتاج الأمر إلى بيان مدى ما فى الشعر من لغة – ( اتجاه البنيويين ) ، وما فيه من كلام / اتصال
( السيمبوطيقيين ) ، وما فى الألفاظ من إنحراف واختيار ( اتجاه الأسلوبيين والشكلانيين ) وصار البحث عن مفهوم للشعر فى هذه الاتجاهات وغيرها ضرورة تأصيلية ونقدية .

وقد حاول البحث الخروج برؤية عن مفهوم الشعر عند الشكلانيين باعتبارهم أبرز مؤسسى علم البوطيقيا الحديث .

كان تقسيم البحث بالشكل الذى أنجز به أمرا لازما حيث جاء فى مدخلين وثلاثة مباحث . تناول المدخل الأول فلسفة الشكل فى النقد الأدبى من خلال رؤى فلسفة الفن وكبار نقاد الأدب للشكل وأهميته فى بنية العمل الأدبى ، وكان المدخل الثانى محاولة لتتبع نشأة المنهج الشكلانى وتطوره وأهم أعلامه وأبرز مراحله التاريخية .

أما المباحث الثلاثة فقد تناولت فى المبحث الأول مفهوم الشعر عند الشكلانيين من خلال الحديث عند لغة الشعر من خلال تميز الشكلانيين بين اللغة العملية واللغة الشعرية مبينا سمات اللغة الشعرية التى تجعل من عمل ما عملا شعريا ، بينما تناول البحث فى المبحث الثانى بنية العمل الشعرى ووظيفته عند الشكلانيين متعرضا للعلاقة بين الصوت والمعنى وبعض المفاهيم النقدية مثل القيمة المهيمنة .

وكان المبحث الثالث نقدا وتقويما لبعض المقولات الشكلانية المتعلقة بمفهوم الشعر فى المنهج الشكلانى مثل لغة الشعر بين العملية والشعرية ، ومفهوم المادة والأداة ، وأدبية الأدب كما تناول ذلك المبحث أيضا قدرة بعض تلك الاستراتيجيات النقدية الشكلانية على البقاء والتأثير فى الساحة النقدية ومن أبرز تلك الاستراتيجيات الربط التواصل بين الأدب والدراسات اللسانية .

أولا  :  مراجع عربية أو مترجمة للعربية :

=============================

(1)  أرنست فيشر :  ضرورة الفن . ترجمة : أسعد حليم . الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1998 .

(2)  جورج سانتيانا : الإحساس بالجمال . ترجمة : د. محمد مصطفى بدوى ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2001 .

(3)  جون كوين :  بناء لغة الشعر . ترجمة : د. أحمد درويش ، دار المعارف ، القاهرة ، 1993 .

(4)  ديفيد بشبندر : نظرية الأدب المعاصر . ترجمة : عبد المقصود عبد الكريم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1996 .

(5)  رامان سلدن :  النظرية الأدبية المعاصرة . ترجمة : د. جابر عصفور ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، 1996 .

(6)  رينيه ويليك :  مفاهيم نقدية . ترجمة : د. محمد عصفور ، عالم المعرفة . ع . 110، المجلس الأعلى للثقافة، الكويت ، 987 .

(7)  زكريا إبراهيم :  فلسفة الفن فى الفكر المعاصر . مكتبة مصر .

(8)  الشكلانيون الروس :  نصوص الشكلانيين الروس . ترجمة : إبراهيم الخطيب ، الشركة المغربية للناشرين المتحدين . مؤسسة الأبحاث العربية ، 1982 .

(9)  عبد الفتاح العقيلى : المنهج الأسطورى فى تفسير الشعر الجاهلى . ميرانا ، 1992 .

(10) مصطفى بهجت بدوى : كولردج . دار المعارف ، سلسلة نوابغ الفكر الغربى / 15 .

(11)  هيجل : فكرة الجمال . ترجمة : جورج طرابيشى . الطليعة ، بيروت ، 1982 .

ثانيا  :  دوريات  :

=============

مجلة العرب والفكر العالمى. مركز الإنماء القومى. العدد الأول ، 1988 . ما الشعر : رومان جاكوبسون . ترجمة د. بسام بركة ، ص 2 – 13 .

ثالثا  :  مراجع باللغة الأجنبية  :

(1)  Alan Swingwood :  Sociological Poetics, Macmillan, Press, 1986 .

(2)  Ann Jefferson  & David Roby : Modern literary theory, Barnes & Noble Books, Totowa New Jersy, 1982 .

(3)  Ernst Cassirer : The philosophy of symobolic forms . Trans by : Ralph Manhiem, New Haven, Yale Univ. Press, 1961.

(4)  Hans Hormann : Psycholinguistics . Springer 1971 .

(5)  Kant’s : Critique of Judgment, Trans by J. H. Bernard, London, 1963 .

(6)  P. N. Medvedev & M. M. Bakhtin : The formal method in literary scholarship, the Hopkins Univ. Press, Baltimore and London, 1978.

(7)  Sausane Langer : Feeling and form, London, R. K. P. London, 1953 .

(8)  Victor Erlich : Russion Formalism . History and Doctorin, Mouton & Co., 1955 .

مفهوم الشـعر فى مناهج النقد الحديث المنهج الشكلاني

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>