الدكتور على البطل والتفسير الأسطورى للشعر العربى

الدكتور على البطل

والتفسير الأسطورى للشعر العربى

دكتور

عبد الفتاح محمد العقيلي

كلية الآداب- جامعة المنيا

مصر

مقدمة لابد منها

——-

قبل أن نطرق أبواب العالم الأدبي للدكتور على البطل ، تجدر الإشارة إلى أن هذا العالم رحب متسع ، رحابة عقل صاحبه ، و اتساع معارفه . فهو يمتد من الشعر الجاهلى فى مؤلفاته :

  • الصورة فى الشعر العربى دراسه فى أصولها و تطورها 1981 .
  • القصيدة الطقوسية محاولة فى التأويل 1991 .

إلى الشعر الأموى فى دراسته :

  • تفوض العالم المثال دراسة فى الشعر الأموي 1996 .

وصولاً إلى الشعر الحديث و مؤلفاته :

  • الرمز الأسطوري فى شعر بدر شاكر السياب 1982 .
  • فى شعر العصر الحديث 1982 .
  • الأداء الأسطورى فى الشعر المعاصر دراسة فى شعر الثبيتى 1992 .
  • بنية الاستلاب بين عالم النص وعالم المرجع دراسة فى قصيدة “مراوحة ” للشاعر رفعت سلام 1993 .
  • يذهبون الى الشعر دراسة فى شعر أربعة من شعراء المنيا 1993 .

إلى جانب دراسة تحليليه مقارنة بعنوان ( شبح قايين بين “إديث سيتول ” و بدر شاكر السياب ).عدا البحوث والمقالات التى نشرت فى مجلة فصول المصرية وإصدارات النادى الأدبى بجدة مثل :

  • إشكالية القديم والجديد فى الوساطة بين المتنبى وخصومه جده 1991 .
  • النص الشعرى بين عمودية الشكل وحداثية الإشكال عند البردونى جدة 1991.
  • أزمة القصيدة التقليدية بعد شوقى فصول 1984 .
  • تحولات المقدس والمدنس فى سيرة الشيخ نور الدين للحجاجى جامعة المنيا 1995 .
  • الغزل العذرى واضطراب الواقع فصول م4 ع2 1984 .

وبحسب البحث هنا أن يتحدث عن الدكتور على البطل رائداً من رواد المنهج الأسطورى فى تفسير الشعر العربى . ولا مندوحة – من ثم – من الوقوف أمام هذا المنهج النقدى للتعرف على أسسه ومفاهيمه النظرية .

( المنهج الأسطورى – مفاهيمه وأسسه )

كانت نشأة المنهج الأسطورى فى النقد وبروزه فى القرن العشرين نتيجة لتطور مفهوم النقد ووظيفته من ناحية ، ونتيجة لامتزاج النقد الأدبى بالعلوم الإنسانية المختلفة واستخدامه لمعطياتها من ناحية أخرى .

لقد جاء المنهج الأسطورى فى النقد ينشد التحرر من قيود النقد القديم ، ويحاول التخلص من أوجه قصوره باستخدام المعطيات العلمية الإنسانية المختلفة من أجل الوصول إلى فهم أفضل وتفسير أشمل للإبداع الإنسانى .

وقد تناول كبار النقاد ومنظرو النقد هذا المنهج حين تعرضوا للمناهج النقدية فى القرن العشرين ، فحين يحاول “ولبر سكوت ” أن يضع تخطيطاً
لأهم المداخل النقدية فى القرن يعتبر المدخل النمطى أو الأسطورى أجدرها بالاهتمام . ويرى ” سكوت ” أن مميزات هذا المنهج تكمن فى أنه يتطلب قراءة فاحصة حيث يهتم من الناحية الإنسانية – كما يقول – بما هو أبعد من الاكتفاء بجماليات النص حين يبحث عن الأنماط الثقافية والاجتماعية الأساسية محاولاً أن يثبت قيمة الأدب اللازمانية .

كما يرى ” سكوت ” أن هذا النوع من النقد يسعى لكى يعيد لنا
إنسانيتنا ؛ تلك الإنسانية التى تقدر العناصر البدائية فى طبيعة الإنسان – من أجل أن يعيد بناءنا كأعضاء فى الجنس البشرى العتيق .(1)

أما ” رينيه ويليك ” فيؤكد أن النقد الأسطورى هو أكثر الاتجاهات النقدية حيوية فى هذا القرن ويرى ” فيدلر ” أن هذا المنهج النقدى كان نابعاً من إحساس النقاد بأن أعمق المعانى هى التى تمتد إلى ما بعد العمل المنفرد لتشمل الأعمال الإنسانية وأن هذه المعانى العميقة يجب البحث عنها فى الرموز النمطية البدائية التى يتجه إليها المبدعون شعورياً أو لا شعورياً .

(1)  Wilbur Scott : Five of Literary opprauches  criticism .

ويرى ” دافيد لودج ” فى كتابه النقد الأدبى فى القرن العشرين أنه حين ينصهر الأدب والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم النفس فى بوتقة واحدة يستنبط نوع من النقد الأدبى يحاول تفسير قوة وأهمية الأعمال الأدبية من خلال بعث نماذج بدائية أو أنماط أولية(1). بل إن هذه الأنماط والنماذج هى الباعث الجوهرى للقصيدة كما يؤكد ” نورثروب فراى ” وهذا النوع من النقد هو التفسير الأسطورى .

مفاهيمه وأسسه :

وعندئذ نصل إلى المفاهيم الأساسية التى يقوم عليها هذا المنهج متمثلة فى التقنيات العلمية غير الأدبية التى استخدمها استخداماً منظماً .

وقطب رحى المنهج الأسطورى وحجر الزاوية فيه تحدده كلمة واحدة هى ” الموروث ” ، ولعل الأسس التى قام عليها تظهر ذلك بوضوح .

فقد قدمت الدراسات النفسية مفهوم ” كارل يونج ” اللاشعور الجمعى تلك الذاكرة العرقية التى توارثت عبر جميع أفراد العائلة البشرية التى تربط الإنسان بجذوره البدائية وتحوى تجارب الأسلاف وخبراتهم ولا تظهر مكنونات هذا اللاشعور حية إلا عبر الأعمال الإبداعية فى خيال الفنانين ووحى المفكرين وتجارب المبدعين ورؤى المتصوفة .

فاللاشعور الجمعى هو مكمن ” الموروث ” من تاريخ البنية العقلية البشرية
بكل ما يمثله هذا الموروث من أساطير البداية والخلق والموت والبعث

(1) David Lodge : 20 th century literary criticism.

مضافاً إلى ذلك كله المكونات الدينية والعقدية والخرافية .

وتعتمد عملية الترميز اللاشعورى “على المقدرة الفطرية للفنان أو المبدع على إدراك مضمون اللاشعور يقظة وهى مقدرة ” الحدس ” وعلى الإحساس بالهوية العميقة والتوحد التام بين الذات والموضوع وذلك بالعودة إلى الإنسانية البدائية التى تسكن فى أعماقه وذلك هو الإسقاط .(1)

لقد شكل مفهوم اللاشعور الجمعى والأنماط الأصلية أبرز أسس هذا المنهج النقدى فأصبح البحث عن هذه الأنماط والتماسها فى الأعمال الإبداعية هو الذى يحدد قيمة هذه الأعمال وخلودها من الناحية الإنسانية .

وعلى الأساس نفسه من استبقاء الموروث قامت الدراسات الأنثروبولوجية رافداً يمد المنهج الأسطورى بمفاهيمه التى تؤكد أهمية الموروث الثقافى الذى يتضمن العادات والتقاليد والنظم والطقوس الدينية ، وقد نبعت فكرة الإرث عند علماء ” الأنثروبولوجيا ” من تلك التشابهات الغريبة للطقوس والمعتقدات والحكايات عند أرقى الشعوب وأدناها تحضراً لتدل على وراثة هذه المواد من ناحية وعلى وحدة النسق العقلى والفكرى الذى قامت عليها الثقافة البشرية من ناحية أخرى .

وإذا كان ” تايلر ” قد دعا إلى وجوب تذكر الأصل دائماً ، فقد راح
” فريزر “(2) يبحث عن الأصل ويتتبع جذوره إلى بدايات ما قبل التاريخ ليؤكد

(1) Carl  Jung : the Archetypes and the collective  uncon cious .

(2)  جيمس فريزر : الغصن الذهبى .

أن هذا الأصل ممثلاً فى الطقوس الأسطورية البدائية باق وسيظل باقياً فى الذاكرة الجمعية للإنسان ليكشف عن مدى التشابه العميق فى عمليات العقل البشرى حين يضع فلسفته الأولى عن الحياة وحين يصل إلى أقصى درجات تحضره ، وهذا التشابه يدل على وجود تشكيل قبلى لاشعورى يمثل البنية
العقلية ، تلك البنية التى راح ” شتراوس ” وغيره من رواد الأنثروبولجية البنائية يبحثون عنها خلال تحليل الأساطير .

لقد صار القول بالأصل الأسطورى والتكوين الشعائرى للفن هو الاتجاه الذى طبقته المدرسة النقدية على الفن والفكر القديم بالبحث عن الأصول
” الميثودينية ” فى الدراما والشعر أو بالبحث عن صلات القربى بين الشعائر الطقوسية المختلفة والإنتاج الإنسانى الأكثر رقياً كالمسرحيات والفنون الأخرى .

وكانت العودة إلى الموروث الذى يقوم على دراسة الفن من حيث اتصاله بمنابعه وأصوله الأولى محوراً من المحاور التى اهتمت بها الفلسفة الرمزية فقدمت للمنهج الأسطورى فى النقد ما توصل إليه ” فيكو ” من العلاقة بين اللغة والشعر والأسطورة وما توصل إليه ” هيردر ” من ارتباط الشاعر الحقيقى بمنابعه الأولى وامتياحه من هذه المنابع ، وما توصل إليه ” كاسيرر ” فى فلسفة الأشكال الرمزية ، من انبثاق الدراما مباشرة من الطقوس والشعائر العقدية عند جميع الشعوب بحيث يمكن القول أن الطقس أو الشعيرة هى الأصل الذى تطورت عنه الفنون والآدب فى الحضارات المختلفة. (1)

(1)  Ernst  cassirer : philosophy  of  symbolic  Forms .

وليس معنى ذلك – كما يرى ” كاسيرر ” وجود علاقة سببية أو أسبقية زمنية بين الفن والشعر من ناحية والطقس والشعيرة من ناحية أخرى بل إنها مفتوحات إنسانية متداخلة يتخلل بعضها بعضاً أفرزها تفاعل الإنسان مع الوجود محاولاً أن يجد ذاته فى عالم رمزى من صنعه فى مقابل العالم الواقعى والفيزيقى المحيط به .

ثم قدمت الدراسات النقدية الحديثة التى عنيت بالبحث فى نظرية الأدب وفلسفة الفن ونشأته ووظيفته وتشكيل الصورة فيه مفاهيم العلاقة الوثيقة بين الفن والسحر ، وبين الفن والتراث ” الميثودينى ” بحيث يصعب فصل الشعر كإبداع إنسانى مستقل لأنه يكون فى بدايته ممتزجاً بالطقوس والرقص والموسيقى ، ويبقى الفن حتى فى مراحل العقلنة هو التشكيل الوحيد الذى يحلم بالبداية المفقودة ويحاول العودة إلى الحالة الجماعية البشرية .

منهج الدكتور على البطل :

كانت تلك المفاهيم النظرية والأسس التى قام عليها المنهج الأسطورى ولنحاول هنا أن نرى إلى أى حد استخدم الدكتور على البطل هذه المفاهيم فى تطبيقه لهذا المنهج على الصورة فى الشعر العربى .

يضع الدكتور على البطل عند تطبيقه لهذا المنهج مهاداً نظرياً من شقين يدرس أولهما مفهوم الصورة عارضاً ملامح تطور هذا المصطلح عبر المنابع التى شاركت فى تطويره كالفلسفة وعلم الجمال وعلم النفس وعلوم الأدب ويهتم بالاستعارة جانباً مهماً من جوانب الصورة من ناحيتين الأولى أنها تصويرية بطبيعتها وليست مغالطة زخرفية كما يرى البلاغيون القدامى والثانية علاقتها بالأسطورة وببداية اللغة نفسها حيث تعاونت استعاراتها ورموزها فى خلق الأساطير والملاحم .

ويتتبع فى هذا الشق المنابع التى شاركت فى تكوين مفهوم الصورة وتأثر هذا المفهوم بالدراسات النفسية عن اللاشعور والأنماط الأصيلة .

أما الشق الثانى فيتحدث فيه عن الأصول الأسطورية للصورة متخذاً من ارتباط نشأة الفنون جميعاً بالفكر الدينى والممارسات الشعائرية التى نشأت فى حجرها ، ومن قياس المجهول من أطوار فكر أسلافنا على ما صار معروفاً لدينا من علاقة بين الفن والدين عند كثير من الأمم التى مرت بالأطوار نفسها وسيلة لدراسة الصورة وجلاء غموضها فى الشعر العربى ، ويتناول الدكتور البطل عقائد العرب القدماء ومعبوداتهم وما تركته هذه العقائد من آثار .

ويتناول الدكتور على البطل صورة المرأة فى شعر ما قبل الإسلام ليعود بهذه الصورة إلى الفترة الطوطمية حين ربط سر الخصوبة فى المرأة بسر الخصوبة فى الأرض حيث كان معنى الأمومة هو المعبود فى كليهما ومن ثم فقد برزت صورتها البدينة لتمثل هذا المعنى ، على حين اتجه العرب إلى الشمس فخلعوا عليها صفة الأمومة وجعلوا لها رموزاً مقدسة كالمهاة والغزالة من الحيوان ، والنخلة والسمرة من النبات ، وقد ظهرت هذه الصور متجاورة عند تصوير المرأة . فهذه الصور وإن تحولت فيما بعد إلى قوالب فنية لكنها تشى فى كثرتها بنماذج سبقت تظهر الصورة المقدسة للأم بشكل غير واع عند حديث شعراء هذه المرحلة عن المرأة رمزاً للخصوبة والأمومة المعبودة التى ارتبطت بالربة الشمس فى الدين القديم ، ويفرد فصلاً لهذه الصورة التى جاءت لتحقق شروط وظيفة الأمومة والخصوبة ويطلق عليها الدكتور البطل المرأة المثال وهى صورة لا تتعلق بامرأة بعينها وإن اتخذت أسماء ، تتواتر عناصرها عند الشعراء جميعاً مما يشير إلى أنها تحاكى نماذج أقدم عهداً وأمس رحماً بالدين القديم الذى كانت تعبد فيه الشمس الأم ونظائرها أو رموزها المقدسة .

ويأخذ الدكتور على البطل بعد ذلك فى الحديث عن صورة الحيوان مشيراً إلى تلك الفترة البعيدة حيث كان الحيوان إما طوطم الجماعة وإما معبودها الذى يمثل رمز الإله السماوى الذى تتجه إليه فى صلواتها ، وعلى ضوء من عبادات العرب القديمة ممثلة فى الثالوث الشمس / القمر / الزهرة والربط بين هذه المعبودات وبين الحيوان وعلى ضوء الممارسات السحر / دينية والميثو دينية يحاول الدكتور على البطل أن يعيد بناء أسطورة من هذه القصائد التى تتكرر فيها عناصر صورة الثور الوحشى وصورة الظليم ، غير أنه يقرر أن اكتمال تفسير هذه الصور لن يتضح إلا عندما يدلى التاريخ بما عنده وتبوح الأرض بأسرارها إذا قدر لهذا أن يكون عندما تهتم دول الجزيرة باكتشاف كنوزها المطمورة .

لقد رأى الدكتور على البطل أن وراء كل حيوان منها تاريخاً أسطورياً يمثل نظرة الذهن البدائى له رابطاً بينه وبين صور سماوية فالثور مرتبط بالقمر والصياد وكلابه مجموعة من النجوم ولكل من الثور والحمار والظليم رحلة لها زمن معلوم ، ولكل أعداؤه وتشترك فى مساق أسطورى تتقارب عناصره وهو صراع بين هذه القوى وقوى أخرى تختلف نتيجته بحسب التوجه الأسطورى والموقف التعبدى وبحسب تطور الفكر الإنسانى فى مرحلة البدائية .

ويخصص الدكتور على البطل قسماً آخر للحديث عن صورة الإنسان بين شئون الحياة والموت والطبيعة ، فيعرض صورة الرجل المثال ” ود ” التى عبد عليها الإله القمر ، والذى عبد فى صورة الثور الوحشى ، ويعرض صورة الإنسان الممدوح فى شعر المدح ويتناول العلاقة بين السحر والهجاء ، ويمضى إلى الحديث عن صورة الإنسان فى الحرب واللهو ويتتبع شعر الرثاء وطقوس الموت ويعرض لظاهرة التكرار ويتناول صورة الإنسان العربى فى علاقته بظواهر الطبيعة من حوله : الأطلال والمطر والسيل والرحلة مبيناً جذورها الأسطورية .

تعد دراسة الدكتور على البطل من أبرز الدراسات فى مجال نقد الشعر القديم وتفسيره ميثولوجيا ، وتأتى هذه الميزة من ناحيتين :

الأولى : أن الدراسة تحيط بمعظم صور شعر ما قبل الإسلام فى أنماطها المكرورة ولا تقف عند صورة بعينها تخرجها من سياقها الفنى لتقيم حولها تفسيراً ما قد يؤدى إلى تفتيت هذا التراث والافتئات عليه .

الثانية : أن الدراسة لا تكتفى بالقول باللاشعور الجمعى للفن القديم القريب من منابع البدائية ولكنها توغل بعد ذلك للبحث عن الأنماط الأصلية والمكرورات الأسطورية لهذا الشعر .

لقد فهم الدكتور على البطل الشعر الجاهلى فهماً صحيحاً ، فهذا الشعر بمقوماته الفنية ونموذجه الأدبى الذى استوى فى شكل القصيدة ليس سوى ظاهرة جماعية ، فهو يتسم بكل سمات الفن الجماعى فى قربه من المنابع البدائية للفن وامتياحه منها ، وفى قيامه بوظيفة أساسية كسلاح فى يد الجماعة تواجه به الطبيعة والحياة ، وفى كونه وسيطاً رمزياً يقيمه الإنسان حين يواجه الواقع والأشياء فيحيط ذلك الإنسان نفسه بالأشكال اللغوية والصور الفنية والرموز
الميثولوجية .

كما فهم الدكتور البطل الأساطير فهماً صحيحاً مستمداً من فهم السلف الصالح من المفسرين الذين كانوا أكثر تفهماً وأعمق وعياً وأصدق نظراً ، فهذا ابن عباس رضى الله عنهما يفسر الأساطير بأنها ما كتبه الأولون ، أو أساجيع الأولين ، وهذا ابن جريج يفسرها بقوله ” أساطير الأولين أشعارهم وكهانتهم ” فألفاظ ” الأولين ” ، ” الأساجيع والأشعار والكهانة ” ، كل ذلك يدل على أن الأساطير كانت ديانات القدماء وأدعيتهم وأشعارهم وشعائرهم ولم تكن مجرد أكاذيب أو خرافات كما فهمها البعض ، ولعل هذا الفهم الخاطئ للشعر الجاهلى باعتباره ظاهرة من ناحية ، ولمفهوم الأسطورة من ناحية أخرى ، جعل هذا البعض ينظر فى توجس ، ويتلقى على حذر هذه النظرة التى تربط بين شعر ما قبل الإسلام وبين تراث هذه المرحلة ” الميثودينى ”

تبحث الدراسة عن النمط الأصلى للمرأة والحيوان والإنسان ، ولذلك ألقت هذه الدراسة بظلالها واضحة على الدراسات التى تلتها من حيث المنهج والأدوات والنتائج .

لذلك يعد الدكتور على البطل من أبرز رواد المنهج الأسطورى فى تفسير الشعر الجاهلى إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق .

لقد تناولت دراسات كثيرة هذا المنهج وأصحابه بالنقد والدرس وحسبى أن أقف عند آخرها بعنوان ” شعرنا القديم والنقد الجديد ” للدكتور وهب أحمد روميه مارس 1996 ، حيث يرى أن دراسة الدكتور على البطل تمثل فى رأيه جهداً متميزاً لأسباب منها أنه وقف الدراسة كلها على تأصيل الاتجاه الأسطورى فى نقد شعرنا القديم ، وهو – ثانياً – قد حشد للدراسة طائفة ضخمة من المعلومات حول الدين عامة وأديان الجاهلية خاصة وهو – ثالثاً – يكشف فى كثير من المواطن عن تذوق حار للنصوص الشعرية كما يضيف سبباً رابعاً يتجلى فى بناء هذه الدراسة بناءً منهجياً محكماً مما يعزز نبرة الثقة التى يحسها القارئ لهذه الدراسة .

وإذا كانت موضوعية النقد وحياديته تلزمنا بعرض الدراسات الأخرى التى طبقت المنهج الأسطورى على شعرنا القديم فإن ذلك مما قد لا يحتمله مجال هذا البحث ولكن حسبى هنا أن أشير إلى معايير ثلاثة أتناول من خلالها بعض تلك الدراسات وأرى أن هذه المعايير صالحة للحكم على العمل النقدى .

معايير الحكم على الدراسات الأسطورية :

الموضوعية – التوثيق – تماسك المنهج

ولعل من أبرز المآخذ التى تبتعد بالعمل النقدى عن الموضوعية سيطرة النزعة الانطباعية ، فعلى الرغم من تنبه الدكتور عبد الله الطيب إلى وجود ارتباط بين النسيب وعقائد الجاهليين(1) حيث افترض المرأة أصلاً من أصول عبادة

(1)      المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها .

الخصوبة ورصد رموزها فى الشعر الجاهلى غير أن النزعة الانطباعية قد فرضت وجودها على دراسته ، فهو يحاول فى انطباعية واضحة إثبات علاقة الشعر بالكهانة ، كما أن العسيات الكثيرة التى لا تكاد تخلو منها صفحة من صفحات البحث ، فإذا توارت ” عسى ” حلت محلها عبارات مثل ” أحسب ” ،
و ” غير بعيد ” ، ” وربما ” ، كل ذلك يعكس الانطباعية القائمة على مجرد
الوهم .

لقد أدت تلك النزعة إلى الإغراق فى التوهم المؤدى إلى التناقض فى معظم الأحيان مع الإكثار من طرح تساؤلات أكثر إبعاداً وغرابة .

ولا تنهض النزعة الانطباعية دعامة يقوم عليها عمل علمى فليس يكفى أن يشعر ” الدكتور البهبيتى ” أن ملحمة ” جلجامش ” أكبر من كونها ملحمة شعرية بناها خيال أمه أو ” شعر ” أنها كتاب مقدس أتخذه شعب مصدراً لصلواته وأدعيته ، لكى يقيم على أساس ما ” يشعر ” دراسة تقول بعربية الملحمة ، ويمانية بطلها ، ووجودها مع بعض المكيين وورودها فى القرآن الكريم باسم قصة ذى القرنين ثم لا يكتفى بذلك بل يحاول على هدى من شعوره الانطباعى أن يربط بين جلجامش ، وذى القرنين ، وموسى الخضر ، وهرقل ، وموسى بن ميشا ربطاً لا يحكمه منهج ولا يسنده منطق .(1)

(1) د. نجيب البهبيتى : ملحمة جلجامش ، المعلقة العربية الأولى

وتفرض النزعة الانطباعية نفسها على دراسة الدكتور مصطفى
ناصف(1) على الرغم من محاولته الإفلات منها ، فقد قدمت دراسته الشعر الجاهلى ” نظرياً ” على أنه ضرب من الطقوس والشعائر التى يؤديها المجتمع أو التى تصدر عن عقل جماعى ، وأن هذا الشعر ينبغى أن يفهم فى إطار اللاشعور الجمعى ، كان ذلك وعداً نظرياً لوحت به القراءة الثانية للشعر القديم حتى إذا بدأت نسيت ما وعدت به وجاءت قراءة انطباعية محضاً لم تحاول فهم اللاشعور الجمعى فهماً كاملاً ولم تبحث من ثم لا عن طقوس ولا عن شعائر على الرغم من جدية الدراسة وطرافة تحليلاتها .

ولم يستطع الدكتور نصرت عبد الرحمن أن يكون بمنجاة من النظرة الانطباعية حين يحاول أن يحدد مدلولاً لأسماء النساء فى الشعر الجاهلى مبرراً لنظرته هذه بتكرار بعض الأسماء أو بتكرار الصفات التى يسبغها الشعراء على كل واحدة منهن ، وتلك مغامرة تقوم على غير سند من أسطورة أو كشف بالإضافة إلى أن الدكتور نصرت لم يستقرئ الشعر استقراءً تاماً ليقرر أن أم أوفى رمز لسيدة الحكمة ، وليلى هى ربة الحب العذرى وسعاد رمز الربيع …الخ .(2)

وفى تناوله لشعر الرثاء فى العصر الجاهلى يقدم الدكتور الشورى نصوصاً عن الموت يشرحها شروحاً انطباعية تكاد تكون قطعاً من الوعظ ثم

(1)  د. مصطفى ناصف : قراءة ثانية لشعرنا القديم

(2) د. نصرت عبد الرحمن : الصورة الفنية فى الشعر الجاهلى .

يحشد طائفة من الخطب وشروحها ، وأيام العرب وأشعار هذه الأيام فى الموت والرثاء ويرتضى آراء انطباعية بينة الخلط لغيره من الدارسين .(1)

لقد وقعت الدراسات النقدية التى اعتمدت المنهج الأسطورى لتفسير الشعر ما قبل الإسلام فى شرك الآراء الانطباعية بدرجة تقل أو تكثر بحسب نزعة صاحب كل منها ومنهجه وأدواته ، وكان ذلك نتيجة طبيعية لتجاهل بعض هذه الدراسات للتراث السامى القديم وحصر مجالها فى المرحلة الوثنية قبل الإسلام ، ويمثل ذلك الأساس الثانى للحكم على هذه الدراسات وهو التوثيق .

إن دراسة تبحث عن ارتباط النسيب بعقائد الأولين فى تقديس الأنثى وتأليه الخصوبة لم تحاول مرة واحدة أن تستعين فى فروضها وتفسيراتها بأسطورة سامية قديمة يمكن أن تشكل أصلاً لهذه العقائد كان على الدراسة أن تتبعه فإذا أرادت أن تعضد تفسيراً أو تشد أزر رأى لم تلجأ إلا إلى بعض أخبار ابن إسحاق وتفسيرات الزمخشرى وبعض القصص مثل أساف ونائلة وعمرو بن يربوع والسعلاة وغير ذلك من القصص غير الموثق .

لقد كانت الدراسة تكتفى بالقول ” إن كثيراً من الديانات الأوليات تفعل نحواً من هذا ” جاء ذلك فى معرض الحديث عن تأليه العرب للمرأة ، وعند الحديث عن السفينة والبحر وعبادة الشمس والسحاب وغير ذلك .

أما دراسة الدكتور البهبيتى فقد بدأت بلا توثيق حقيقى فالفرض الذى قبله من أن العربية لغة آدم وأن اللغات التى جاءت بعد ذلك إنما هى انحرافات جزئية —————-

(1)      د. مصطفى الشورى : شعر الرثاء فى العصر الجاهلى .

عن العربية هو فرض غير موثق وغير مقبول وعلى مثل هذا الفرض تقوم الدراسة جميعاً .

وعلى الرغم من أن دراسة الدكتور مصطفى ناصف تنطلق نظرياً كما قلنا من مفهوم ” يونج ” للاشعور الجمعى فإن الدراسة تبتسر هذا المفهوم فتطبقه فى إطاره الخارجى فقط أما ارتباطه بالأنماط الأصلية الميثودينية فذلك ما لم تحاول الدراسة أن تصل إليه .

أما الدكتور عبد الجبار المطلبى فقد اشتد فى توثيق صورة الثور حتى انتهى إلى كونه مجرد رمز فأغفل عناصر قصته التى تكررت فى القصيدة الجاهلية .(1)

واستساغ الدكتور نصرت عبد الرحمن منذ أول الأمر أن يحصر دراسته فى إطار الدين الوثنى على الرغم من تناقض ذلك مع ما اعتمده من إطار نظرى يتمثل فى مفهوم اللاشعور الجمعى ، لذلك جاءت الدراسة فى معظمها إما أنها بحاجة إلى التوثيق العلمى القائم على الأساطير والكشوف وإما أنها تساؤلات يطرحها بلا إجابات مؤكدة .

وقد عينت دراسة الدكتور على البطل بمصادر التوثيق فى دراسة الصورة ومن أهم هذه المصادر :

(1)      د. عبد الجبار المطلبى : قصة الثور فى القصيدة الجاهلية .

  • · الكشوف الأركيولوجية ( الآثارية )  :

وتتمثل فى استعانته بما كشف من حفريات العصر الحجرى وتماثيل ما قبل التاريخ ( فينوسات لوسييل ) بالإضافة إلى النقوش التى كشفت فى مختلف نواحى الجزيرة العربية كنقوش الثور فى جنوب الجزيرة ، وما ورد عن عجل أبيس وتمثال ” ود ” وغير ذلك .

·        الأساطير والديانات القديمة :

ومنها أساطير الساميين كما جمعها كريمر وغيره ، ودياناتهم بالإضافة إلى الديانة اليونانية القديمة وديانة الصابثة المندائين ، وديانة قدماء المصريين مع الاهتمام بالمتماثلات الطقوسية التى وردت عند ” فريزر ” وغيره من علماء الأنثربولوجيا إلى جانب العهد القديم مع العودة إلى الدراسات العلمية عن بدايات الأديان ومراحلها الموغلة فى القدم .

  • · مصادر ما قبل الإسلام :

وتتمثل فى روايات الإخباريين عن أوابد العرب وكتب الأصنام وبقايا طقوس العرب وأساطيرهم وما ورد فى أيام العرب من أخبار وقصص .

لذلك جاءت دراسة الدكتور على البطل ونقده نقداً موثقاً لا يخضع للظن ولا تسيطر عليه الانطباعية غير أنه يظل حسن الظن بما سوف تسفر عنه الأيام القادمة من مكتشفات تتضح معها ملامح تلك الصور التى وردت فى شعر ما قبل الإسلام .

وعلى الرغم من الجهد الكبير الذى يبدو فى دراسة الدكتور الشورى من تتبع صور الرثاء وصفات المرثيين وحشد النصوص وشروحها ، إلا أن الجزء الذى يتصل بالتفسيرات الأسطورية والأصول الشعائرية – وهذا من باب التوثيق أيضاً – يمكن أن ينقسم إلى قسمين :

القسم الأول :

تفسيرات وأصول شعائرية تناولتها دراسات سابقة لا تبعد كثيراً عن دراسة الدكتور الشورى بل كانت بين يديه ولكنه عالجها مستخدماً النصوص بعينها مثل قصة الهامة والرذية والطوطمية والأنيمية وتقديس العرب للرؤساء والملوك والكهان وطقوس الخمر وظاهرة التكرار فى قصيدة الرثاء بالإضافة إلى الكتب الأقدم عهداً التى عالجت مثل هذه الظواهر .

القسم الثانى :

آراء وتفسيرات ينسبها الدكتور الشورى لنفسه ولعله نسى أن يشير إلى أصحابها ومن هذه الآراء ما يورده عند معالجته لأساطير العرب فى الحيوان ، وحديثه عن عقائد العرب الدينية وما تركته من ممارسات ، وفى تفسيره لبعض طقوس صيد الحيوان ، وتفسيره لقتل الثور فى القصيدة الجاهلية . ولعل تعدد جوانب البحث وكثرة وتنوع مصادره كان مجلبة لهذا النسيان .

أما دراسة الأفعى للدكتورة ثناء أنس الوجود فقد اشتدت الباحثة فى توثيقها حتى غدت دراسة أنثروبولوجية لثقافات المنطقة المتعلقة بالأفعى فهى لا تقدم تفسيراً ميثولوجيا للحية فى الشعر الجاهلى بقدر ما تقدم معيناً يفيد فى تأكيد الوحدة الحضارية لمنطقة الشرق الأدنى من ناحية ، وتوفر بعد ذلك مبرراً صالحاً لقبول تماثلات أسطورية قد تظهر هنا أو هناك .

ويقود الحديث عن الموضوعية والتوثيق فى المنهج الأسطورى فى النقد إلى ضرورة الحديث عن المعيار الثالث للحكم على هذا النوع من النقد وهو تماسك المنهج . ويعتمد تماسك المنهج على منهجية المنطلق النظرى وموضوعيته من ناحية وعلى سلامة أدواته وعلميتها من ناحية أخرى .

فعلى الرغم من تنبه الدكتور الطيب إلى الصلة الوثيقة بين الشعر والكهانة ، ومن ثم صلة هذا الشعر بالدين والعقائد القديمة إلا أنه اختار جانباً واحداً هو النسيب بالإضافة إلى أن الدكتور الطيب انطلق من افتراض مضطرب لعبادة الخصوبة عند العرب فهو يزعم مرة أن المرأة كانت أصل عبادة
الخصوبة ، ثم يعود مرة ثانية ليرى أن السقيا أصل قائم بذاته فى عبادة الخصوبة ويفترض مرة ثالثة أن الشمس كانت إلهة الخصوبة الأولى إلى جانب عودته إلى التراث الفرعونى أو التراث اليونانى وكان الأحرى به أن يعود إلى التراث السامى الذى يمثل عقائد المنطقة .

ولا يسلم منهج الدكتور البهبيتى من الخلط والتشتت فالأساس النظرى الذى ارتضاه لبحثه غامض لا يخلو من التناقض بل إنه خرج بنتيجة بحث مسبقة تفترض عربية ملحمة جلجامش ويمانية صاحبها قبل أن يشرع فى البحث .

إن منهجاً يقول بلغة واحدة – هى العربية – أصل الخليقة ما زالت إلى اليوم بمنطوقات محرفة ، وحضارة واحدة انتشرت فى العالم كله والبشر كلهم من بقاياها ، وملحمة شعرية واحدة يطوف بطلها العالم ليكون جلجامش وهرقل وذا القرنين وموسى الخضر لهو منهج يحتاج من صاحبه إلى نظرة أكثر منهجية وموضوعية .

أما منهج دراسة الدكتور مصطفى ناصف فقد جاء محكماً إذا أغفلنا الأساس النظرى الذى أقامه أو وعد بإقامته عليه فقد تناول شعر ما قبل الإسلام فى تحليلات شيقة وممتعة ، ولكنها – كما قلت – تناولت جانباً واحداً من جوانب مفهوم اللاشعور الجمعى وهو جانب الإسقاطات النفسية والروحية للشاعر .

وأخال أن الدكتور عبد الجبار المطلبى لو قدم رؤية متكاملة للشعر العربى ولم يقنع بنقد صورة واحدة فى تلك المرحلة المتقدمة تأريخياٍ لاستطاع أن يسهم فى ترسيخ المنهج الأسطورى فى وقت مبكر نسبياً .

وقد كان يمكن للمنهج الذى اتبعه الدكتور نصرت أن يكون أشد تماسكاً لولا أنه اقتصر فى دراسته للصورة على الفترة الوثنية .

وتبقى دراسة الدكتور على البطل لتؤكد منهجه النقدى الذى ينطلق من رؤية متكاملة ومنهجيه لشعر ما قبل الإسلام وأصوله الشعائرية ، لا يقف عند صورة بعينها ، أو غرض بذاته ، ولكنه يضع شعر هذه المرحلة جمعيه تحت رؤية أسطورية تبدأ من مفهوم واضح للصورة الفنية محاولاً التغلب على الصعوبات التى توجه البحث عن البدايات والأصول .

لا يقنع المنهج النقدى عند الدكتور على البطل بالوقوف عند مرحلة معينة يبحث فيها عن أصول هذا الشعر بل ينظر إلى هذا التراث من منطلق سامى لذلك يعود كثيراً إلى بدايات النمو الميثودينى متمثلة فى حفريات ما قبل التاريخ ليقدم منهجاً شمولياً ينظر إلى الفن القديم على أساس من ارتباطه بهذا الفكر اليثودينى الذى يمثل منبعه الأول .

ويحاول الدكتور على البطل فى منهجه النقدى على ضوء هذا المفهوم المتكامل والرؤية الشاملة وبأدواته النقدية المتميزة أن يتتبع الصور النمطية التى تكررت فى الشعر الجاهلى صورة المرأة ، صورة الحيوان الوحشى ، صورة الإنسان وعلاقته بالظواهر من حوله ، الإنسان الممدوح ، والمهجو ، والمرثى ، فى رحلته واستمطاره وحربه ولهوه وما يتصل به من شئون حياته .

لقد حاولت تحديد معايير ثلاثة للحكم على المنهج النقدى لنقاد
الأسطورة :

الأول : الخلو من الانطباعية .

الثانى : التوثيق .

الثالث : تماسك المنهج وتكامل الرؤية .

وبمعزل عن البدايات الراصدة التى افتقر نقادها إلى هذه المعايير مثل الدكتور عبد الله الطيب ، والدكتور البهبيتى كانت الانطباعية هى النتيجة الحتمية للافتقار إلى التوثيق أو الاكتفاء بالمرحلة الوثنية مما أدى بالضرورة إلى اختلال المنهج وضعف نسيجه فقد توقف البعض مثل الدكتور نصرت عبد الرحمن عند المرحلة الوثنية فتعددت مدخله واختلطت مفاهيمه ، واشتد البعض فى توثيق منهجه مثل الدكتور المطلبى والدكتورة ثناء أنس الوجود حتى أغفل كل منهما بعض ما كان بصدد البحث عنه .

ويبقى المنهج النقد للدكتور على البطل أبرز هذه الرؤى حتى وقته من وجهة نظرى على ضوء المعايير التى وضعت ، حيث قدم رؤية متكاملة للشعر الجاهلى على أساس فهم واضح لطبيعة الصورة فيه مع العودة إلى بدايات النمو
” الميثودينى ” والكشوف الآثارية ، ليكون أبرز رواد المنهج الأسطورى فى نقد الشعر حسب رؤية باحثيه ونقاد عصره .

وقد تعرض المنهج الأسطورى بحسبانه منهجاً نقدياً للكثير من الهجوم على تفسيراته وتطبيقاته من ناحية وعلى منطلقه النظرى من ناحية أخرى .

ولعل ” ملكولم كاولى “(1) من أكثر هؤلاء النقاد الذين حملوا على المنهج وأتباعه فهو يذكر عدداً من هؤلاء الذين كرسوا جهودهم فى الأساطير والطقوس كما تجسدها الأعمال الأدبية القديمة مثل ” وليم تروى ” و ” جوزيف كامبل ”
و “ريتشارد تشيز ” و ” ليزلى فيدلر ” ويرى أن هؤلاء سرعان ما تتحول القصة أو القصيدة أو المسرحية بين أيديهم إلى أسطورة تقوم على مفهوم يونج أو إلى طقوس عبور أو تفسير لاهوتى ما .

ويشبه “كاولى ” كثيراً من قراءات هذا المنهج بجلسات تحضير الأرواح وحلقات السحر الشعبى ، وتؤدى عملية التحول النقدى هذه فى رأى “كاولى ” إلى المبالغة فى تضخيم الأعمال الأدبية والارتفاع بها إلى مستوى الوصايا أو الكتب المقدسة بالإضافة إلى أنها تتضمن إلغاء لمؤلفيها أو حطاً من قدرهم حيث

(1) Malcom Cowley : Literary Situation .

يتلاشى المعنى الأصلى الذى أراده المؤلف ليبقى النص المقدس بما يحمله من معنى .

ويبدو أن ” كاولى ” قد تعرض للتفسيرات الأسطورية غير المنضبطة التى نشأت فى وقت مبكر حين اندفع نقاد الأسطورة ومنهم ” ريتشارد تشيز ” بحماس شديد دون تروّ أو تحقيق مما جعل منطلقاتهم فى التفسير متباعدة إلى حد ما ، ولعل هذا التباعد هو الذى أدى إلى تباين الرؤى واختلاف التفسيرات مما عرض هذه المدرسة النقدية للهجوم فى ذلك الوقت .

ويرى ” رينيه ويليك ” أن من أخطاء هذا المنهج الواضحة أنه يلغى الحدود الفاصلة بين الفن والأسطورة بل يلغى أيضاً تلك الحدود بين الفن
والدين ، والحقيقة أن النقد الأسطورى لم يلغ شيئاً من ذلك أو يثبته ولكنه اعتمد على نتائج الدراسات التى اهتمت برمزيات الإنسان البدائى وربطت بين الشعر
والفنون بصفة عامة وبين البدائيات الميثودينية والتى رأت فى الأسطورة المرحلة البدائية الأولى للفكر الميتافيزيقى ، ولا يبعد عن ذلك قول من يفسر أساطير الأولين بأنها ” أشعار الأولين وكهانتهم ” ومن ثم فإن الحدود الفاصلة بين هذه العناصر والظواهر الروحية الإنسانية فى مراحل البدائية من تطور الإنسان تكاد تنعدم تماماً .

وثمة اعترض أساسى – كما يقول سكوت – يوجه إلى النقد الأسطورى هو أنه لا يؤدى إلى تحديد قيمة الأدب بقدر ما يؤدى إلى تفسير الإعجاب بأعمال معينة ولعل هذا ما أرادته ” مس لانجر ” حين رأت أن تطبيق هذا المنهج على الفن يجعله وظيفة تعبيرية فطرية قد أدى إلى عدم التمييز بين الفن الجيد والفن الردىء لأن هذا المنهج قد وضع كلا على قدم المساواة .

وإذا كان تقويم الأدب بالتمييز بين جيده ورديئه يقوم على تحليل بنيته وتراكيبه وبيان النواحى الجمالية فيه فإن ذلك مما يختلف فيه كل صاحب منهج عن الآخر لأنه يخضع قبل كل شىء لذوق الناقد وأحاسيسه وانطباعاته الشخصية فيفقد المعيار الحقيقى لتقويم الأدب ومن ثم معيار الجودة والرداءة فى الفن .

لقد أنكر نقاد الأسطورة وعلى رأسهم ” نورثروب فراى ” أن يقوم النقد علماً حقيقياً يتبوأ مكانته بين العلوم الإنسانية باقتصاره على تحليل البنية وإتكائه على تناول التركيب فقط ، فالبحث عن النمط الأصلى والأسطورة شىء جوهرى بالنسبة للأدب كما أن العلاقة بين الشعر والأسطورة تحقق إمكانية تحويل النقد الأدبى إلى علم حقيقى .

هذا بالإضافة إلى أن معرفة الأنماط البدائية كسب لعناصر ومواد نقدية جديدة تثرى العناصر النقدية القديمة وتتجه إلى الموضوعية ، ثم إن المنهج الأسطورى لا يبحث فى جمال النص – فذلك مجال مناهج نقدية أخرى – بقدر ما يبحث عن قيمة النص وسر خلوده وذلك ما لا يمكن تحديده بالمعايير الأدبية وحدها .

إن ما قدمه المدخل الأسطورى فى تفسير الشعر على يد الدكتور على البطل وغيره من الذين استخدموا هذا المدخل بوضعهم هذا التراث فى مكانه الحقيقى ، وما خرجوا به من نتائج فى تفسيره لصور هذا التراث تفوق جرأة وجدية وموضوعية كل ما قدمه النقد التقليدى الذى دمغه بالسطحية والبداوة ودمغ أصحابه بالجهل والسذاجة ، حيث يحاول أن يكشف عن وجه للشعر العربى كان محتجباً طيلة هذه الحقبة الطويلة من عمره ، وهو وجه ارتباطه الوثيق بالحياة الدينية و الأساطير القديمة التى تسرب منها إليه الكثير من الصور التى كان الشعراء يحرصون على ترديدها ، وكان الدارسون يرون فيها – نتيجة عدم الانتباه إلى أصولها الدينية والأسطورية – دليلاً على مادية الشعراء وخواء الجانب الروحى فى حياتهم .

الدكتور على البطل والتفسير الأسطورى للشعر العربى

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>